فهرس الكتاب

الصفحة 235 من 275

ولذلك ذكر الحصن الذي يمتنع به العبد من هذا المجادل المتكبر، وهذا قد فعله موسى -عليه السلام- مع فرعون كما في هذه السورة؛ فإن فرعون لما قال: {ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} ، قال موسى -عليه السلام-: {إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} . فتأمل استعاذته -عليه السلام- من هذا المتكبر الذي قال فيه ربنا في الآية هذه: {إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ} ، ثم هي تحض على الاستعاذ، وموسى يستعيذ امتثالًا لأمر الله في هذه المواطن.

والشأن هنا فيمن هذه صفته أن يعرض المرء عن جدال هؤلاء؛ فإنه لا يتصور أن يستعيذ بالله منه ثم هو ينشئ معه حوارًا يقوم على البينة والدليل، فمثل هؤلاء يتحدثون بأوهامهم أنهم أغنياء، وأنهم ملوك، وأنهم أرباب للناس من دون الله تعالى؛ فكيف يقال للعالم ناظرهم، أو أقم عليهم الحجة بقطع أدلتهم التي يحتجون بها!؟

ومما تقدم قبل هذه الآية هذه الآيات فتأملها جيدًا لتعينك على ما نحن في: يقول تعالى: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ * هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} .

فهذه عدة المناظر بالحق، وهي عدة الباحث عنه كذلك، وهي مصادر الحق الذي ينشده كل صادق، واختصاص موسى بالهدى يعني أنه أوتي حكمة العمل بالكتاب، وحكمة سلوك الدعوة إليه، والذهاب في أودية الحق المؤدية لشرح الكتاب، فهذا هدى زائد عن الكتاب، وهو يعني أن الناس قد يكون عندهم الكتاب ولا يكون عندهم هدي العمل به، وهذا نقص فيهم؛ فإن من تمام الخير حصول الكتاب وهداية طريق العمل به، ومن ذلك بعد ذلك حمل النفس على العمل بعد إدراك الحق.

ثم تتوجه الآية التالية في الخطاب لرسولنا ليبلغ هذا المبلغ في الحق والهدى فيه فيقول تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} ؛ فهذه حكمة القرآن لا يعرفها إلا أهله، وهي أن الحكمة والهدى في القلوب والإرادات لا مبعث لها فقط البينة العقلية، بل لا بد من جلاء الإرادات بأنوار الحق والصفاء بالقرب من الله، وسبيل ذلك ما قالته هذه الآية بوضوح وجلاء: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} ؛ فهذه هو سبيل ترك الطغيان المانع من هداية القلوب، وهذا هو سبيل ترك الكبر الذي يدفع للجدال بالباطل، وهو استعادتك لإنسانيك الضعيفة أمام الله، واستعادتك لفطرتك أنك عبد لله تعالى، وبهذا يسهل قبولك للحق، ومن غير استعادتك لإنسانيتك الفقيرة، واستعادتك لفطرتك القائمة على العبودية في أصل وجودها؛ فأنت متكبر، ومن كان كذلك كان مترفعا عن أن يبلغه سيل الحق الجاري بين الناس بهدي الداعين إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت