ولهذا: {فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} من هؤلاء؛ إذ لا سبيل لدفع كبرهم هذا إلا بأن يحقق الله فيهم المنع القدري الذي يحبس قدراتهم عن إيذاء المؤمنين.
لتعلم أن المسألة ليست فقط قضية معلومات؛ تأمل الآية التي تلي التالية في هذا، واقرأها بتنعم، فالله يقول: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} فهذا هو شأن العلم والجهل، إذ العلم بصر ورؤية، والجهل عمى وظلام، ثم يقول: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ} ، فلم يكتف بذكر العلم وضده، بل لا بد من ذكر الإرادة وأثرها على حياة الخلق في هذه الدنيا والآخرة، فجاء ذكر الإيمان والعمل الصالح، وضد ذلك هو السوء والشر.
قبل هذه الآية بين عظم ما خلق الله غير الإنسان، وهي ردع لهذا الكبر الذي في نفوسهم، إذ إنهم نسوا أن هناك من خلق الله ما هو أعظم من خلقهم، فقال سبحانه: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} ، وتأمل جامع الجذر في كلمة الكبر والذي هو الخلق المذموم، وبين كلمة أكبر لتدل على ما هو العظيم خلقة، ومع ذلك فما خلقه الله من هذا العظيم هو ذليل أمام أمر الله تعالى.
إنك أيها المؤمن وأنت ترى نوع هؤلاء وصورهم في الوجود تعلم حقيقة نفوسهم ودواخلهم لتحمد الله أن عافاك، ذلك لأن القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي له الحق المطلق بالحديث عن دواخل النفوس وما هي عليه، وهذا من رحمة الله تعالى بعبيده أن يكشف لهم كوامن نفوس أعدائهم.
وللحديث مع هذه السورة صلة.