بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد؛
أخطر ما يواجه مسيرة البشرية مع مقصد وجودها هو شرعنة المعصية، أي إسباغ ثوب الشرع على ما حرم الله تعالى ونهى عنه، والشيطان لخبرته بالإنسان يعلم موانع حصول المعصية واقتحام العقبات التي تحول بينها وبينه، وسورة الأعراف بينت هذه الموانع والعقبات بطرق متعددة:
-أول هذه الموانع هي الفطرة التي أقامها الله في الإنسان على وفق الحق، لكن الفطرة ليست قوة دفع بلا علم، فهي كالأرض الطيبة التي لا تقدر بذاتها على دفع زراعة الشر فيها، ولذلك لما خلق الله آدم وأسكنه الجنة أصدر له أمرًا فيه سعادته، ولم يتركه لمجرد فطرته، فقال له الله تعالى: {اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} ، فزودهما بالعلم، وهو النهي عن الشجرة، وكما أن الفطرة لا تدرك الخير بذاتها لكنها متلائمة معه، وهي على ما قال الله تعالى: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} ، فهذا خبر حول صلاحية الفطرة في ذاتها إذ لا شر فيها، وجاء الأمر بعد ذلك بقوله: {لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} ، وذلك بعدم إفسادها، ولما كانت الفطرة بلا علم بل هي مواءمتها وملاءمتها للحق؛ قال تعالى: {أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} ، فهذه الأرض الطيبة لا زرع فيها، فهي بحاجة للعلم الذي هو قوة الدفع للمعصية، ولوجود الفطرة الطيبة يحصل النكارة بينها وبين المعصية، والنكارة شيء وقوة الدفع شيء آخر، ولا يمكن للإنسان الذي لو جرد من التسليك والتربية وبقي على أصل خلقته إلا إنكار المعصية والنفور منها، لكن قوة الشهوة كذلك هي من فطرته، فبلا علم تكون قوة الشهوة أقدر في دفع هذه الفطرة، لكن النكارة نافعة كذلك في تلقي العلم، وفي قبول ما يعرض عليه من الحق، وهي وإن كانت كذلك إلا أن الله تعالى لم يعلق عليها جزاء، بل جعل الجزاء معلقًا بإرسال الرسل، فقال سبحانه: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ