فهرس الكتاب

الصفحة 264 من 275

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد؛

ففي قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} ؛ يسأل المتدبر لكتاب ربه سر تقديم تعليم القرآن على خلق الإنسان، وواقع الحال القدري أن الخلق أسبق من التعليم، فلِمَ قدم تعليم الكتاب على خلق الإنسان؟!

هنا وقف الزمخشري قائلًا:

"عدّد الله -عز وعلا- آلاءه، فأراد أن يقدّم أوّل شيء ما هو أسبق قد ما من ضروب آلائه وأصناف نعمائه، وهي نعمة الدين، فقدّم من نعمة الدين ما هو في أعلى مراتبها وأقصى مراقيها، وهو إنعامه بالقرآن وتنزيله وتعليمه، لأنه أعظم وحي الله رتبةً، وأعلاه منزلةً، وأحسنه في أبواب الدين أثرًا، وهو سنام الكتب السماوية ومصداقها والعيار عليها، وأخَّر ذكر خلق الإنسان عن ذكره، ثم أتبعه إياه ليعلم أنه إنما خلقه الدين، وليحيط علمًا بوحيه وكتبه وما خلق الإنسان من أجله، وكأن الغرض في إنشائه كان مقدّما عليه وسابقا له، ثم ذكر ما تميز به من سائر الحيوان من البيان، وهو المنطق الفصيح المعرب عما في الضمير". انتهى كلامه.

ومراده -كما هو بيِّن- شرف العلم، وأن هذا الترتيب اعتمد تقدمة المرتبة الشرعية على الترتيب القدري المعهود.

جاء هنا ابن المنير وعلق قائلًا:

"نغير من هذا الكلام قوله: أن خلق الإنسان كان الغرض فيه -أي المراد منه- أن يحيط علما بالكتب والوحي، ويعوض بأن المراد بخلقه أن يدعى إلى ذلك، لا أن يقع ذلك منه، فهذا هو المراد العام، ثم منهم من أراد الله منه أن يحيط علما بالدين فيسر له ذلك، ومنهم من أراد ضلالته وجهالته فبعد عنه ولم يوفق، والله الموفق الصواب".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت