فكلام محمود لم يعجبه على إطلاقه، ولكنه ذهب ليحمل الكلام على التكليف لا التشريف، وجعل تقدمة قوله تعالى: {عَلَّمَ الْقُرْآنَ} حكمًا شرعيًا وتكليفًا إلهيا، فكأنه يقول: إن قوله تعالى: {عَلَّمَ الْقُرْآنَ} هو مقصد {خَلَقَ الْإِنْسَانَ} ، فهناك من أتى هذا المقصد، وهناك من أعرض عنه.
ولم يذكر لنا ابن المنير وجه تقدمة هذا التفسير لهذه التقدمة من النص أو مقاصد السورة، بل ألقاها هكذا عارية وتركها بلا أدلة؛ فهل واقع هذا الاستهلال القرآني: {عَلَّمَ الْقُرْآنَ} أقرب للتكليف منه إلى النعمة كما يقول ابن المنير، أو هو أقرب إلى النعمة منه للتكليف؟
ترداد قوله تعالى في سورة الرحمن: {فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} يجعل عمود مقصد هذه السورة هو النعم، فلو اعتمدنا على هذا لجعلنا كلام الزمخشري أقرب للمراد، لكن المطلع كذلك يشهد لابن المنير، حيث قال تعالى: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} ، وهذا يقرب مراد ابن المنير على مراد الزمخشري، والحق في هذا أن كليهما مقصود معًا، وهذا أمر قد نبه عليه ابن تيمية، ونفى أن يكون هذا من استعمال اللفظ المشترك أو استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، بل هو من استعمال اللفظ في حقيقته المتضمنة للأمرين جميعً، وزاد على هذا بقوله:"وهذا موضوع عظيم النفع، وقل من يفطن له، وأكثر آيات القرآن دالة على معنيين فصاعدًا".
وهذا المعنى أخذه ابن القيم من شيخه كما تجده في مجموعة من تفسيره لبعض الآيات في كتاب التفسير القيم (ص(240) - (250 ) ) .
ومن تأمل ما تقدم علم كلام الأئمة في هذا الباب، وهو أنه ما من خبر في القرآن -كذكر النعم كما قال جار الله الزمخشري- إلا وهو تكليف رباني -كما أراده ابن المنير-، فكلاهما حقيقة لكلام واحد؛ فكل الأخبار تكليف لمن تأملها واهتدى لمقصد كلام الله فيها.