بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد؛
فإن سر الخبر القرآني يكمن في كشفه بواطن من يتحدث عنهم، فهو لا يقف على الفعل فقط في مظهره، لكنه يذهب إلى منشأ حركة الفعل ومكون الإرادة له، وباعث حركته، وهذا من أعظم ما يجب الاعتناء به لشرح حركة الوجود والأحداث، لأن هذه البواطن هي مراد الله تعالى تعالى في الحكم، وعليها يعلق العطاء الإلهي وجودًا ومنعًا، وبها يتحقق الجزاء يوم القيامة عذابًا ونعيمًا، كما أن كشف هذه البواطن للموصوفين يعني وجوب اعتناء أهل القرآن بإصلاح هذه البواطن، وذلك لتحقيق الوعود الإلهية في كل باب.
ومن مزايا هذا الكشف القرآني الجليل أنه يكشف إنسانية الفعل إن كان الموصوف إنسانا سواءً كان في صلاحه أو غير ذلك، وذلك بوجود التردد أو مقاومة الشر الذي ابتلي به الإنسان من وجود هواه وشهوته، أو وجود الشيطان ونزغه.
وأما إن كان الفعل للرب فهو يكشف نفس الرب -جل في علاه-، وما تراعيه من أقدار وأحكام هي الحق والصراط المستقيم.
في حديث القرآن عن بعض نفوس الصالحين من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك، حيث أراد الله لهم قدر وفعل الخير لخير ما هم عليه من الصلاح والتقوى، جرت هنالك حركة نفس خفية رصدتها عين الله تعالى وعلمه المحيط بكل شيء، لتكشف الرعاية الإلهية لهذا الصنف العظيم فقط، ولتبين أن الإنسان هو الإنسان في ضعفه الموجب لحاجته لربه الرؤوف به، فقال تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} ، وسر العطاء ارتكز على هذا الوصف لما قال: {مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ} ، فهذا وصف لحركة نفس ترددت في الإقبال، كان الرحمة بها والرأفة من الله عليها أن انتشلها من الذنب الذي هو أحد الخيارات، فكان كل ما قاله