فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 275

من الخبر متعلقًا بهذا الكشف، فتاب عليهم، وهو بهم رؤوف رحيم، فانبعث الوصف المدحي لهم بتحقيق القدر الذي يحبه الله لهم لما هم عليه من الخير.

هنا يقف المؤمن شاكرًا لربه، عالِمًا صدق خبره لأنه لم يعرفه أحد إلا هو، فهو حديث جرى ثم انقضى بعد أن غمرته النعمة فأقبل على الاستجابة لربه، وهو تعليم لمن أتى أن يعلم أن هذا ليس مما يمنع وقوعه في نفوس الصالحين.

لما وصف الله تعالى حركة نفس يوسف الصديق -عليه السلام- وهو يعالج الفتنة العظيمة التي حلت عليه في شبابه الذي وصف بقوله: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدّهُ} ، وهناك تم القذف به في محنة الإغواء، فجاء الوصف الرباني لحركة نفسه بقوله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا} ، ثم جاءت العصمة الإلهية بقوله: {لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} ، ليكشف الخبر القرآني الرعاية الإلهية لمثل هذه النفوس الشريفة، وليعلم المؤمن أن هذه الحركة النفسية فطرية الوجود لأن الإنسان هو الإنسان بما ركب عليه من فطر ورغبات، وليعلم أن هذا هو معنى الاختيار الإيماني، لوجود جانب الشر وداعيه، ومع ذلك ذهب اداعي النداء الرباني.

وفي وصفه -جل في علاه- لموقف موسى -عليه السلام- عندما حضر السحرة بعصيهم وحبالهم، وألقوها أمامه وأمام الناس فخيل لهم أنها تسعى، فقال الله تعالى: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى} ، وهذه حركة إنسان يعيش إنسانيته، تخاف على قدر ما يعرض لها من خطوب، وليس هذا مما يضرها، لكن الذي يضرها هو استجابتها لداعي الخوف هذا، فجاء النداء الرباني ليبين الرعاية الموفقة لمثل هذا الصنف العظيم من البشر: {قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى} ؛ فكان هذا موضع اختيار بين أمرين، فكانت الاستجابة لأمر الله، فكان كما قال الله تعالى عنه: {إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى} .

وهذا كثير في كتاب الله تعالى كقوله: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} ، فتأمل بها على وفق ما تقدم تجد فيها تلك المعاني بينة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت