بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد؛
في قوله تعالى في سورة الأنعام: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} ، تكلم الزمخشري على وفق عادته لبيان سبب التفريق بين الفاصلة في الأولى، حيث جاء قوله تعالى: {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} ، والفاصلة في الآية الثانية، حيث جاء قوله تعالى: {لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} ، وأرجع السبب للتالي:
كان إناء إنشاء الإنس من نفس واحدة وتصريفهم بين أحوال مختلفة ألطف وأدق صنعة وتدبيرًا، فكان ذكر الفقه الذي هو استعمال فطنة وتدقيق نظر مطابقًا له.
لم يرض هذا ابن المنير الإسكندراني، فذهب في ابتداء رده أن هذا جاء لمجرد التنوع في الخطاب مخافة الإملال، وجعل هذا مجرد تحسين للنظم واتساق في البلاغة، وقال عن صنيع أبي القاسم:"جواب صناعي، لا حقيقة تحته"، ثم كأنه علم من نفسه أن هذا لا يستقيم مع البلاغة في أفقها الأعلى، وأن البليغ لا ينوع فقط لمجرد التنوع؛ إذ هو يهجم على الكلمات ويكررها لفظًا إذا جاء سببها دون الالتفات لهذا المعنى فقط -أي مخافة الملال من السامع-، وهذا بيِّن في سورة الرحمن حيث تكرر قوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} ، وحيث أحس بهذا طاغيًا على نفسه ذهب يجري في سبيل أبي القاسم الزمخشري، فجعل الأمر على وجه معكوس تمامًا، وذهب للتالي:
جعل كلمة"يفقهون"-الفعل المضارع- ليس مشتقًا من شدة الفهم، بل هي مأخوذة من"فقِه"بكسر القاف، وهذه تطلق على من عنده أدنى فهم، واستدل بكلام الهروي -أي أبي عبيد القاسم بن سلام في كتابه العجيب (غريب الحديث) -، وذلك حين استدل على هذا الأمر بحديث سلمان وأنه قال لامرأة وقد سألته:"فقهت؟"، أي"فهمت"كالمتعجب من فهم امرأة عنه، وذلك كقولهم: فلان لا يفقه شيئا، وذلك حين يعبرون عن أشد الذم، وهي أشد من قولهم: فلان لا يعلم شيئًا، إذ الأولى ضرب لعقله، والثانية ضرب لعلمه، وتحصيله.
كل هذا ليجعل التارك النظر لما في نفسه أشد ذمًا من التارك التأمل في غيره من الأفلاك والنجوم، واستدل لهذا الأمر