فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 275

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله ومن والاه، أما بعد؛

فجمعت سورة النجم طريقي العلم: الرؤية بشروطها، والرواية بشروطها، ثم ذكرت السورة القياس الصحيح، وما يضاده، وهو مبتدأ بقوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى، أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى} ، وهذا منتهى فساد القسمة في الوجود، ولذلك رد الله تعالى عليهم بقوله: {فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى} ، فمن كان كل شيء له؛ فلم تجعلون له ما تكرهون -كما قال تعالى: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ} -؟ فشرط الصواب في القياس إلحاق النظير بالنظير ومعرفة كل واحد ما يستحق من النسبة من صفات وملك، ومخالف ذلك يقال له ما قال تعالى: {تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} ، أي ظالمة.

والعدل في العلم أهمُّ من العدل في العمل؛ فإن العدل في العلم هو باب العدل في كل أبواب الحياة، وكلمة العدل مأخوذة من عدل الدابة، وذلك حين يوضع خرجين على ظهرها، فلا يستوي مشيها ولا تقوم إلا بأن يستوي كل خرج وعدل فوقها مع ما يقابله، وبهذا سمي تساوي الأمور عدلًا، ومن جعل لله شبيها فقد جعل له عدلًا، وهذا هو الشرك، كما قال تعالى: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} ، أي يجعلون له عدلًا أي شبيهًا على أحد أقوال أهل العلم، وقيل يميلون، أي عن السبيل والحق.

وإدخال الميزان في العلم مهمٌّ في كل الحياة، وبه يتم التوحيد والاتباع، ومعرفة واجبات كل أمر وقضاء.

ثم تحدثت السورة عن معوقات إعمال هذا الحق، أي العدل، فقال الله تعالى: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} ، ومن المعلوم أن الأسماء لا تكون إلا للحقائق، والحقائق منها ما هو معنوي كالأخلاق والقيم والتصورات، ومنها ما هو كوني كالجبال والجنة والنار؛ فالأسماء تبعٌ الحقائق، ونشوء أسماء بلا حقائق هو الكذب، فإن كان في التوحيد؛ كان شركًا، وإن كان في التكوين؛ كان وهمًا، وبداية ضلال الخلق في تغيير الأسماء، كما أن بداية قوام خلافة آدم للأرض كان بقوله تعالى: {وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} ، ومصدر قوة الإنسان وخيريته العلم، فجاء إبليس إليها وأفسدها، كما قال تعالى: هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت