فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 275

وهنا إنسان يبتلى في إرادته ونوازعها، وهنا رب ينازع بين غضبه على عصاته وبين قدره الذي قدره، فتأمل هذا النزاع في نفس الرب تعالى: {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ} يقول بعدها ما يستحقون، مثل قوله: {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} ، أو قوله: {لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى} ، ولكنه التأجيل لما كتبه الله تعالى على نفسه من قدر وحكمة تأجيل، فهذا كشف لنفس الله تعالى وما يقع فيها كما قال في الحديث القدسي:"وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن .. \"الحديث.

وهنا يكشف الله تعالى سبب اختيار الكافر لمعصيته، يقول تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ} ، يبين أن هذا هو علة من شرح بالكفر صدرًا، بعد أن كفر بالله وكان مؤمنًا، فيصف الله باعث هذا الفعل أنه إرادة الحياة الدنيا، وليس الأمر إلا هذا.

وهكذا يمضي القرآن في سوقه لخبره ساعيًا لكشف بواعث الإرادات للفعل وما جرى في هذه الإرادات من عوارض، أو ما جرى فيها من اتباع لشهواتها، ليعلم المؤمن ما الذي ينبغي الاعتناء به وتقويمه، وليدرك أن ما فيه من خير أصابه بعد تردد بين الشهوة ورغبة الدار الآخرة هي حالة جارية على الإنسان، كل الإنسان، وفي هذا الكشف عن حالة العاصي إبعاد لفهوم المؤمن بهذا الكتاب من إعذاره بكذب يدعيه أنه اختار هذا بعيدًا عن شهوته والرغبة بالعاجلة والإعراض عن الآخرة كما يحب بعض المسلمين إعذار الكافرين بمثل هذه المعاذير.

قاعدة: إن التفسير القرآني لباطن الفعل البشري تفسيرًا له لا يعني تعليق حكم الله على هذا الفعل بوجوب التحقق منّا لهذا الدافع، فالوصف لحرك الإرادة ليس قيدا للحكم، وتفسير هذا هو التالي:

في قوله تعالى عن سبب ترك إبليس السجود لآدم جاء التعليل للفعل بقوله: {أَبَى وَاسْتَكْبَرَ} ، والإباء حالة ظاهرة تعني الرفض، والاستكبار حالة باطنة كما هو معلوم، فالحكم على فعل إبليس أنه كفر لا يحتاج إلى تحقق القاضي البشري والحاكم الإنساني من وجود هذا الدافع الباطني؛ فتفسير الفعل ليس شرطًا شرعيا لإلحاق الحكم به، ولكن هذا التفسير مهمٌّ لنفس المؤمن لمعرفة حالة خصمه وعدم إعذاره كما يفعل الجاهلون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت