فهرس الكتاب

الصفحة 214 من 275

في هذه السورة -أي سورة الأعراف-، احتج الكافرون على معصيتهم بقولهم: {وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} ، وهذا هو سبيل أعظم الشر في الوجود حيث تطمئن النفس وتذهب للفعل بلا شعور الإثم ولا المعصية، وهذا قد وضح مجاله فيما تقدم، ونأتي إليه مرتبًا هنا حتى لا ننسى.

النفس البشرية تميل للشهوة، وهي تريد الانعتاق من الأمر الإلهي، فهي لحرصها الذي لا تحده الحدود، ولجهلها عند حضور المعصية بعاقبة الذنب، وبنسيانها الأمر عند غلبة الشهوة واستحكامها على النفس؛ تذهب للشهوة المحرمة، فإن خوطبت بعد ذلك بطلب التوبة وبالتذكير بالأمر الإلهي؛ حصل لها الإنابة والعودة للسير على الجادة والسبيل القويم، لكنها قد تصر وتأبى التوبة، وبهذا يحصل لها الإقامة على الذنب، وتكون في حالة معالجة ومصارعة بين الفطرة والمعصية، كذلك بين خطاب الله تعالى لها وبين رغبتها في المنهي عنه، ثم بعد ذلك تطوع النفس للذنب، لسواد القلب وضعف الوازع والمانع، ولغياب قوة الترهيب عن هذه النفس، ولكن الشيطان لا يقبل هذا حتى تستقيم النفس استقامة دائمة عليها بلا شعور بالندم، وحينها لا بد من حالتين تحصلان معًا أو يحصل أحدهما: أولاهما رد الأمر والاستهزاء به والاستكبار عليه، وهذا ما حدث مع الشيطان، والله يقول: {ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ} ، أو تكون الثانية بوجود مجرم كبلعام يسبغ الشرع القويم على هذه المعصية العظيمة، فيعمل بها العامل والعاصي مطمئنًا أنه يطبق أمر الله تعالى، ولذلك قالوا: {وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} ، وبهذا كان من خطاب شعيب -عليه السلام- لقومه أن قال لهم: {وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأرض بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} ، فربط إيمانهم بعدم الإفساد، لأن الإيمان لا يستقيم إلا مع أمر الله ابتداءً، ولا يستقيم أمر الله تعالى مع الفساد كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} ، وموجبات الحق كنتائجه لا تكون إلا حقًا، هكذا يقضي القرآن على شبهة إتيان المعصية على وجه يتأول به العاصي معصيته أنها من الدين، ومن خلال النظر في التجارب السابقة تتحقق العبرة بنتائج الفساد كما قال تعالى مواصلًا في كلام شعيب -عليه السلام- لقومه: {وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} .

ومما يستفاد من هذه السورة في هذا الباب أن الله أجرى على ألسنة اثنين من أنبيائه قوله تعالى: {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} ، وهذا في قوله على لسان شعيب -عليه السلام-، وعلى لسان صالح -عليه السلام-، وذلك في تفصيل أن البينة هي الناقة، وفي قول موسى -عليه السلام- قوله: {قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} ، وذلك في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت