فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 275

فالقرآن الكريم كتاب السيرة النبوية للأنبياء حيث عاشوا، وقيل لهم وقالوا لأقوامهم، وعرضت لهم نوازل فاتخذوا لها من الأحكام التي هي من هداية الله للسائرين على هديهم وطريقهم، يستحضرونها عند حلول عللها في حياتهم، وهو كتاب السيرة النبوية لرسولنا - صلى الله عليه وسلم - حيث سجل القرآن حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتفصيل لأعظم غزواته، وما عرض عليه وما عرض له خلال مسيرته في الدعوة إلى الله والجهاد، والله يقول لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن ذكر قصة إبراهيم مع أبيه وقومه كما في سورة الأنعام، ثم جاء لذكر أبناء إبراهيم -عليهم السلام جميعا-، فقال الله تعالى العظيم لنبيه الكريم: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّه فَبِهُدَاهُمْ اِقْتَدِهِ} ، ولو كان أمر هؤلاء الأنبياء خفيًّا كما يزعم هؤلاء؛ فكيف يقع الاقتداء بهداهم المذكور تفصيلًا كما قال تعالى: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} .

فالأخبار القرآنية هي أحكام ربانية، وقصص الأنبياء هي أحكام يقتدي بها العاملون لدين الله تعالى، يعودون إليها في كل وقت، ويبحثون فيها عن أجوبة لما يعرض لهم من نوازل ومعضلات، فالقرآن في هذا الباب لا يعطي ثماره ولا كنوزه إلا بالتثوير، والأمر كما قال ابن مسعود:"من أراد العلم فليثور القرآن"، لأن هذا الكتاب مكنون، أي في كن وحرز يحفظ به من أن يكون مبذولًا لكل أحد، فهو لا يكشف معالمه إلا بالإتيان إليه ومحاورته والترفق به، مع الإخلاص لرب العالمين، لأن هذا الكتاب عزيز، وعزته تأبى عليه أن يبذل نفسه هو على غير طالبه العارف بحقه.

يبقى أمر مهم هو عمدة في هذا الباب وهو مرافقة القرآن في الليل والنهار، لأن الأنس به هو الذي يكشف لك معالمه، ومن رافق شيئا وقتًا طويلًا علم ما هو عليه، والذكي إنما يمتاز عن الذكي الآخر في فهم شيء ما إنما بسبب طول الصحبة، فمن أطال صحبته للقرآن علم مزاجه ومفاتحه ودرره، وإلا فهذا الكتاب يستغلق عليه، ويكون كالمار على جبال الذهب والفضة وهو لا يراها.

وأنا أضرب لك مثالًا لما أتى عليه بعض أهل العلم من تثوير علم القرآن لأمر فصل فيه أدب الأكل وإطعام الضيفان لترى بعض ما يكشف لك ما بعده من المواقف التي تلزمك في جهادك ودعوتك:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت