فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 275

في سورة الذاريات جاء قوله تعالى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ} ، فانظر كم أخذوا منها من أدب معاملة الضيفان، والعرب ورثوا هذه الخصلة من إمام الحنفاء إبراهيم -عليه السلام-، ومن ابنه إسماعيل كذلك:

-كان سلام إبراهيم عليه السلام خيرًا من سلامهم، وهذا هو مفتتح اللقاء بهم تأنيسًا لهم لأنهم في نفسه غرباء، والغريب -لمن جرب الغربة- يريد أكثر ما يريد أن يطرد الوحشة التي تتعبه، فقالوا هم: {سَلَامًا} ، وهي جملة فعلية، لأنها جاءت بالنصب، فرد عليهم بأحسن من سلامهم، فقال: {سَلَامٌ} ، وهي جملة اسمية، وسمة هذه الجملة الثبات والقوة أكثر من الجملة الفعلية التي صارت بدخول العامل عليها، وهذا تحقيق: {بِأَحْسَنَ مِنْهَا} .

-قال تعالى: {فَرَاغَ} ، والروغان يكون بالسرعة والخفية، وهذا من أعظم ما يفعله المستقبل لضيفاه، إذ ذهب لقضاء حاجتهم بسرعة، ولأن الأمر فيه عطاء فلم يرد أن يكسر خواطرهم بإظهار وإعلان تحصيل الطعام لهم، بل ذهب خفية بلا كسر لنفوسهم، وبسرعة لقضاء حاجة نفوسهم، ثم مع عظمة هذا السيد إلا أنه ذهب ولم يصرخ على أهله بتحضير الطعام، بل قام بنفسه ليحضر لهم حاجتهم.

- {إِلَى أَهْلِهِ} ، وهذا تطبيق لما يقوله الناس: الجود من الموجود، لوجود كفايته لهم، فلم يذهب إلا إلى أهله، لا لغيرهم ليقوم بشأنهم.

- {فَجَاَء} ، وهذا تأكيد لما تقدم من قيامه مع نفسه الشريفة بخدمة ضيوفه، فلم يحضر الطعام إلا هو، ولم يتركه لا لخادم ولا لأهل.

- {بِعِجْلٍ} ، فقالوا هذا أعظم الطاعم، إذ جمع بين الكثرة والطيبة، فلو جاء بأكبر كالجمل والبقر لخلا من الطيبة بمقامه عن مقام العجل، ولو أتى بالمعز أو الضأن لكان فيه الطيبة لكن مع القلة، فجاء بما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت