جمع بين الطيبة والكثرة، وهذا أعظم الكرم، ولذلك قال في وصف عجله: {سَمِينٍ} ، ليدل على تخيره لهم على أحين حال وأكرمه.
- {فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ} ، وهذا من الكرم العظيم، إذ لم يكلفهم القيام إلى الطعام بل أحضر الطعام لهم ولمجلسهم.
- {أَلَا تَأكُلُونَ} ، وهذا ترفق في الخطاب احترازًا منه أن يسيء لهم أو أن يقع في نفوسهم ما يكرهون، فلم يقل لهم كلوا، بل كأنه الرجاء: {ألا تأكلون} ، وهذا من حسن خطابه لهم، هذا كله وهو لا يعرفهم، لأنه قال: {مُنْكِرُونَ} ، وهذا يعني جهله بهم، وتنبيهًا إلى خلوهم من آثار المسافرين، سواء بثيابهم أو بأشكال وجوههم وابدانهم.
فهذا خبر قرآني تضمن أحكام الخير اللازمة لتحقيق قوله تعالى: {فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِه} .
إن الهداية التامة لا تتحقق إلا بالتفصيل التام، والذين يخطؤون الذهاب للقرآن في النوازل والغمرات تائهون عن الحق، واقعون في الضلالة مهما زين لهم الشيطان فعالهم واختياراتهم، فهذا رسولنا - صلى الله عليه وسلم - هو سيد البشر في عقله وحكمته ولو اجتمع البشر جميعًا على قول وخالفهم هو لكان رأيه هو الصواب أو الأقرب للصواب، ومع ذلك جرده الله تعالى من هذا الأمر فلم يترك له حق الاختيار الذاتي في سبيل الدعوة إلى الله والجهاد في سبيل الله تعالى، بل قال له: {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} ، فهذا طريق لا اختيار فيه لك، ولا رأي لك فيه، بل هو الاتباع، وهو طريق لا سعة فيه بأخذ الرخص، لقوله: {وَاصْبِرْ} ؛ فإن الرخص في هذا الباب إنما هي معوقات الوصول للنصر، ولذلك قال بعدها: {حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ} ، لأن العواقب في هذا الباب خفية في كل شيء؛ في طريق حصولها، وفي توقيت زمانها، وفي نوع وقوعها، فلئن نصر الله السابقين بإهلاك قومهم؛ فإن نصرك سيكون أعظم وأكبر، ومن المعقول في أذهان البشر ومفاهيمهم أنه كلما أخذ المرء بعزائم الأمور كان وصوله لهدفه أقرب، وكانت غنائمه أعظم، وخلوصها إليها دون الآخرين أصفى وأنقى.