فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 275

الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا)، وهذا ليس فقط في الحكم ولكنه كذلك في القدر والتكوين، وقد تقدم أن من العلم السليم إبلاغه على الوجه الصحيح، في قوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} .

هذا وإن من أعظم بلوغ الرجل مبلغ العلماء الصادقين أن يأخذ هذا العلم على وجه التعبد، ومعنى هذا أن يتعامل معه تعامل الجد الذي لا هزل فيه، وتعامل الناظر بأثره على حياة المرء بعد الموت خصوصا وما قبل الموت كذلك، ولذلك عاب سبحانه على اللهو مع هذا العلم وهذا الدين فقال سبحانه: {أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ، وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ، وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ} ، أي لاهون.

والسورة فيها الكثير من العلم وأصوله غير ما تقدم لمن أعمل النظر فيها، وإفاضة القرآن الكريم في بيان هذا الجانب مبكرًا -والسورة من السور المكية كما هو معلوم- يدلُّ على اهتمام القرآن بمنهج العلم وأصوله، لأن صناعة العلم على وجه صحيح يعني صناعة الإنسان، والقرآن هو كتاب صناعة الإنسان.

إضاءة:

بعد أن ذكر القرآن في هذه السورة قسمة المشركين بأن جعلوا لله ما يكرهون كما في قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى، أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى} إذ جعلوا قسمتهم هذه مبنية ابتداءً على الجهل، وثانيا عما تشتهيه أنفسهم من محبة الولد دون الأنثى، فقال سبحانه وتعالى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ} فهما باعثا هذه القسمة، لكن لما كانت التسمية للملائكة تسمية الانثى كان هذا الفعل خاليا من الهوى، وإنما مصدره الجهل فقط، فقال سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى} ، قال بعدها سبحانه وتعالى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ} .

فرد القرآن على الأولى لأنها قسمة الهوى والجهل، ورد القرآن على الثانية لأنها تسمية الجهل. وهذا لمن تأمله من الميزان الصحيح في الحكم حتى على المخالف، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت