ولكن الحقيقة أن هذا الكلام في الموطن المتقدم ليس للزمخشري بل هو لمن هداه لعلم البلاغة؛ أقصد عبد القاهر الجرجاني -رحم الله الجميع-، إذ قال في (أسرار البلاغة) :"واعلم أن مما اتفق العقلاء عليه أن التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني، أو برزت هي باختصار في معرضه، ونقلت عن صورتها الأصلية إلى صورته كساها أبهة ... ورفع أقدارها وضاعف قواها في تحريك النفوس لها، ودعا القلوب إليها، فإن كان مدحا كان أبهى وأفخم وأنبل في النفوس وأعظم؛ وإن كان ذما كان مسه أوجع وميسمه ألذع ... وإن كان حجاجا كان برهانه أنور وسلطانه أقهر".
وقد ردد المعنى نفسه في (الشافية) ، إذ وسيلة إدراك الصورة التمثيلية في نظر عبد القاهر الجرجاني"هي المعاينة أو الإدراك الحسي الذي هو أكثر أثرا في تقرير المعاني في النفس، من إدراك اللغة المجردة عن التصوير إدراكا عقليا؛ فالإدراك الأول أشبه بالعلم الضروري الذي تأنس به النفس وتطمئن اطمئنانا لا تجده مع العلم النظري"، فأخذ هذا الزمخشري وألبسه حلة الجمع واللفظ الحسن.
إضاءة:
لا تعترض أن هذا من علوم الزوائد التي لا ضرورة لها، فهذا من المهمات اللازمة لتذوق القرآن الكريم، والذي يجعلك متدبرًا له، داخلًا في باب الذاكرين الله كثيرا، فإن لم يستفزك هذا فلا عليك أن تعلم أنك إنسان بذوق البيان فإن فقدته فقد فقدت إنسانيتك.