مادي أو كلامي، فهم يخوضون في المال إلى أذنيهم متعة وولوغًا، وهم يخوضون مترفين في كلام المتع والإشغال الذي لا فائدة فيه، فهذه متعة الترف، ومتعة الضياع والإذهاب، والنتيجة هي الخسران، وتطلق الآية الخسران لتشمل الدنيا والآخرة، مما يدل أن هذا هو سبب هلاك المجتمعات في الدنيا، وهو سبب سقوط الحضارات كذاك.
ولذلك فالذين يعدون أن مستوى الحضارات هي ما تقدم من رغد عيش لأهلها، وأن نسبة الحضارة نجاحًا وخسارة هو مقدار المتع التي يجنيها أهلها هم واهمون، لأن الحقيقة أن هذا هو سبب هلاك الأمم والحضارات، والله يقول هذا في سورة براءة -وهي سورة غزوة تبوك كما تقدم- إجابةً لهم على معنى الخروج إلى بني الأصفر في وقت العسرة، فهو يقول لهم أن الحال هذا هو ما يصنع النصر، ويحقق البقاء لكم، وحين يعطي الله قومًا الهداية القلبية والشرعية فيقبلون عليها بقلوبهم، فإن من تمام هدايته لهم أن يحيطهم بالواقع القدري الملائم لهذه الهداية، وحين يطلب الله من أمة ما أن تقود العالم وأن تسيطر عليه بالحق، ويستجيبون هم له؛ فإنه سبحانه يجري من المقادير التي تهَيِّئ لهم حصول هذه القيادة وهذا الانتصار، ومعنى هذا أن يبعد عنهم قدرًا حالة الترف والمتعة ليستحقوا وراثة الأرض وتحقيق الوعود.
فالمجتمع المترف بعيد عن الهداية، بعيد عن النصر والربح والقيادة، بعيد عن الوعود الربانية العظيمة، وإياك أن تقع أسير الجاهلية بأن تظن أن النصر وتغيير واقع العالم يكون بكثرة المال والولد وكسب القوة في محيط الهدوء والفراغ، فإنك إن وقعت في هذا الأسر الجاهلي؛ لم تفهم حركة الحياة ولا التاريخ، ولن تبصر معنى البلاء الذي يحيط بالناس من أجل رفعتهم وعزتهم.
حين ترى ترفًا يزول من مجتمع يعيش حالة الجهاد، وحين ترى بلاءً يعمُّ في قوم وهم ينفرون في طاعة الله ضد المستكبرين؛ فاعلم أن هؤلاء على طريق غزوة تبوك، إذ فيها يتمايز الناس بين مجاهد ومتخلف، وبين منافق ومؤمن، وبين بخيل وكريم، وبين شجاع وكريم، لأن هذا ما صنعته تبوك الأولى، وها أنت الآن أيها المجاهد في سبيل الله تعيش تبوكًا أخرى، بها يزول من حولك الترف، وبها يتمايز الخلق، لأنك تعلم -إن كنت تعلم- أنه لن تتحقق الوعود الإلهية على قوم يخافون كسر زجاج بيوتهم، لأنه لم يعد لديهم بيوت.