فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 275

كان هذا الاعتراف هو الفتح المبين، وهو النصر الذي صنع عند لحظة الالتقاء بين صعود حلف الإيمان ضد حلف الجاهلية، في لحظة لا يقف فيها الزمن، ولكن يمتد ويتواصل فيه هبوط الجاهلية وارتقاء الإيمان، كان هذا هو الفتح المبين، الذي ما أن يصل الإيمان إلى هذه اللحظة حتى يكون زوال سلطان وملك الجاهلية قد انهار وتلاشى في مركزيته لا في وجوده كله، وإذا انهارت مركزية الطاغوت والجاهلية فإن أمر الجوانب والهوامش يسير غير عسير إن شاء الله تعالى.

هذا الوعي على قدرية الجهاد هو ما يمنع الاعتراض على هذا الصلح العظيم الذي حقق هذا النصر بهذا الاعتراف، وهو الذي يمنع كذلك الاستدلال به على وجه مشوه في دخول طائفة الإيمان -وهي في بداية غرسها- في حلف جاهلي آخر، تقوي فيه جاهليته وسلطانه، وهي تظن أنها تحسن صنعًا.

إن من أراد أخذ صلح الحديبية في احتجاجه دون أن يشرح موقعه من قوله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} هو مبطل في الاحتجاج لم يفهم وجه الشرع الموافق للأقدار، هذا مع زعمهم المتبجح أنهم يفهمون القدر أكثر من أصحاب العقل المتكلس الفقهي الجامد.

إن الفقيه هو الذي يربط دومًا الشرع الملائم للقدر الذي يوافقه، ليس في عزل آحاد الفعل عن محيطه ولكن بفهم حركة الوجود كله، وخاصة أمر الجهاد، فإن فهمك لواقع الجهاد في مكان هو الذي يضبط مسيرتك في اختيار الفقه الملائم له.

وهذا كله من فقه القرآن في ربط الشرع بالقدر وإليك هذا التمرين:

لقد كتب ابن تيمية -رحمه الله تعالى- كلامًا طيبًا في سبب قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - سورتي السجدة والإنسان في صلاة الصبح من يوم الجمعة، وكذلك تكلم في هذا ابن القيم سائرا على منهج شيخه في هذا الباب، وهذا يمكن لطالب العلم أن يرجع إليه لانتشاره مكتوبًا ومنشورًا، وهذا من صيغة ما نحن فيه في هذا الباب، فإنه يختار للقدر من الشرع ما هو ملائم له حتى في التعبد والنسك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت