ومما يمكن أن يقال في هذا الباب من مثال، هو ما حض عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - من قراءة سورة الكهف يوم الجمعة وليلتها، هذا لمن صحح هذا الحديث بهذا اللفظ، وهو فضل ما ذكر في ليلة الجمعة ويومها، فإن سورة الكهف هي سورة القيامة في أخبارها، ويوم الجمعة فيه تقوم الساعة، وقد ذكر في سورة الكهف الدلائل التالية عن أمارات الساعة:
-ففيها قوله تعالى بعد ذكر بناء ذي القرنين للسور: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا} ، وفي الحديث أن هدم السور أمارة الساعة.
-وفي السورة دليل القيامة وهو ذكر نوم الفتيان المؤمنين سنين طويلة ثم بعثهم من نومهم، وقال عن ذلك: {و وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا} .
-وفي السورة ذكر خبر إهلاك حديقة الكافر بيوم القيامة، كما قال تعالى عنه: {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا} .
-وفي السورة: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا، وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا} .
-وفيها: {وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا، وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا} .
-وفيها: {بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا} .
-وختمت السورة بذكر لقاء الله تعالى في قوله -جل في علاه-: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} .
والقصد أن ملاحظة حركة التاريخ ضروري للفقيه في اختياراته للفقه الملائم لواقعه، ولمعرفته أو لتلمسه مآلات الأحداث والمقادير، وهذا باب شرحه ممتد طويل.
إضاءة وتذكير:
أية الفتيان المؤمنين في سورة الكهف هو النوم لا الموت، إذ قال تعالى: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ} ، ولذلك وقع الضرب على آذانهم كما قال ربنا: {فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ} ، لأن في ذلك زيادة عن النوم، حتى لا توقظهم