فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 275

الحكيم، وأما قوله: {سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ} فهو داخل في هذا المعنى، أي: سينصرهم الله، والمقصود أنه حين المقابلة اختلف الحال فاختلف اللفظ، ولما خلا الأمر عن المقابلة قال الله تعالى عن الكافرين: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} ، لأن مقصود السياق هو التحريض، ذلك بأن الله أمر المؤمنين بالولاء، ثم بيّن حال ما عليه الكفار تنشيطًا للمؤمنين لهذا الفعل فقال بعدها -جل في علاه-: {إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} ، فلما كان السياق سياق تنشيط ودفع؛ جاء بذكر أعظم ما عليه الكفار ليبلغ المؤمن في هذا الباب أشد مما هم عليه.

ويمكن أن يقال أن سياق سورة التوبة كان حديثًا عن المنافقين، وسياق سورة الأنفال كان عن الكافرين، مع أنه لما ذكر المقام الغائي في سورة التوبة للمنافقين فإنه ذكر معهم الكافرين، وذلك في قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ} .

هذا وقد ذكر أمر ولاء المنافقين أنه مدخول مكذوب وذلك في سورة الحشر في قوله تعالى عنهم: أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ ... ، إلى قوله تعالى: {وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ} .

ولقد تأملت القرآن كله فلم أجد أمرًا سيق على هذا النوع من البيان في تحريض المؤمنين بفعل يحرص الكفار عليه كما هو هاهنا -أي في سورة الأنفال-، وهو أن يسوق فعلهم تنشيطًا للمؤمنين إلى عدم تفويت هذا الفعل المدحي من التناصر والولاء، فليس فيهم ما يحرص المؤمن على عدم تفويته مثل هذه الصفة.

لكن يوجد ما يقاربها من المعنى على وجه آخر من السياق، وهو قوله تعالى في سورة العنكبوت: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} ، ومع أن عامة المفسرين جعلوها على معنى أن الله كاشف بالبلاء أمر الخلق في إيمانهم وعدم إيمانهم، وفي صدقهم وعدم صدقهم، فلن يغلب أحد ربه بتفويت هذا الامتحان عنه، بل كلهم مسبوق بفعل الله فيه، إلا أني أرى فيها معنى آخر، وهو أن الله أراد أن يبتلي المؤمن كما في سياق السورة ومبتدئها، لأن هذا الابتلاء هو سبيل تحقيق النصر لهم على الكافرين، فلا يحصل للكافرين السبق -أي الفوز والنصر- لوجود ما يوقعه الله من البلاء على المؤمن؛ فالسبق عندهم هو الخروج عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت