فهرس الكتاب

الصفحة 226 من 275

ارتبط في مطلعها الجدال في التقلب في البلاد، وذلك يبين أن هؤلاء لهم سطوة وقوة ومن نوع الملأ المذموم في القرآن، وهذا معناه أن قوة ما عندهم في الجدال إنما من خارج الحجة لا من داخلها، وهذا من أفسد أنواع قوى الحجج؛ إذ الحجة الصالحة هي التي يمتلكها الدليل من داخله، لا من خارجه، فالذي يفرض دليله بما معه من قوة المال والسلطان والجنود هو من أفسد ما يقع في هذه الحياة ومعانيها، وهذا من نوع طرق فرعون كما تبسطه سورة غافر (المؤمن) هذه، فهو بما معه من باطل القوة والعلو قال لهم: {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى} كما في هذه السورة، ولذلك حجته بعسكره وملكه وسلطانه وماله، فهو يسكت أكبر الخصوم وأعظمهم بجنوده إن رفضوا، وبماله إن سكتوا وقبلوا، وبالتالي نبه القرآن تاليه والمؤمن له بقوله: {فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ} ، فلا تتبعهم بمثل هذه البهارج والأكاذيب التي لا علاقة لها بالحق الذي أنت تؤمن به. ولو تأملت مطلع السورة لرأيتها تتناسب مع هذا الأمر العظيم، وذلك بقوله -جل في علاه-: {ذِي الطَّوْلِ} أي الله، فهو سبحانه من يملك القوة والملك وكل شيء، وهو سبحانه: {إِلَيْهِ الْمَصِيرُ} وبهذا تعلم تناسب الآية هذه: {غَافِرِ الذَّنْبِ ... } ، وبين قوله: {مَا يُجَادِلُ فِي آَيَاتِ اللَّهِ .. } ليكون إيمانك بالغيب مسقطا لسلطانهم الذي يمنع عنك رؤية قوة حجة الحق.

وهذا كله مقدمة لحديث موسى -عليه السلام- وفرعون، لأن هذه الصورة التاريخية هي التي تحقق لك معنى اتباع الحق حتى أمام منطق القوة والتقلب في البلاد

قليل هم من يذهب للحق لأنه يملك الدليل في نفسه، مبتعدًا عن الباطل حتى وهو يسكت الحق بالظلم والطغيان وقوة العساكر، فكن أنت منهم كمؤمن آل فرعون.

خلال عرض صورة الباطل في نفس صاحبه وقبل الذهاب لحالة الجدال بالباطل؛ مرت السورة على حقيقة نفس الكافر والفاسد والعاصي بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ} ، هنا تحسيت الآيات الربانية نفس المجادل بالبطل؛ إذ هو يظهر أمامك مجادلًا يملك الأدلة، وله نفس تطمئن لما معها، ولكن هذا الظاهر مخادع كاذب، بل هو في داخله يعيش حالة المقت والسب لنفسه، والكره لموقفه، ذاك لأنه صغر أمام الباطل، وتضاءل أمام ماله وسلطانه، وضعف أمام تهديده وجبروته، فهو يمقت نفسه ويكرهها، وبالتالي هو يعيش شعور الخزي بينه وبين نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت