فهرس الكتاب

الصفحة 256 من 275

أرأيت كيف يعيد الكلام كمن يدير اللقمة في فمه تمتعًا بها مخافة أن تسرق منه إلى جوفه فيذهب عنه حلاوتها!

وقِفْ عند كلمة"تفسير مهذب"، وعند كلمة"وافتتان مستعذب"، وهي أوصاف لكلمة المعتزلي الخصم أبي القاسم الزمخشري!

ثم تعلم كيف تقرأ من كلمته:"فزاد رونقًا بالترديد".

لا إله إلا الله ما يصنع القرآن من ذوق وأدب ورقي إنساني!!

والرجل لم يكتف بترديد لفظه بل وقف موقف البليد -وحاشاه- يغوص في معانيه، بحثًا عن جمال ما قال، كما يقف البليد على الكلام ليفهم معناه، والرجل ليس كذلك.

ولم يكتف سيدنا ابن المنير بهذا الخير العظيم حتى زاد على كلام الزمخشري فائدة هي من غرر المعاني.

تأمل:

"وزيادة على ذلك: أنه ذكر الإجرام المنسوب إلى النفس بصيغة الماضي:"أجرمنا"الذي يعطي تحقيق المعنى، وعن العمل المنسوب إلى الخصم بما لا يعطي ذلك، والله أعلم".

رحم الله أهل القرآن ممن يتحلون بآدابه، ويسيرون على نهج النصفة من أنفسهم.

والآن أكشف لك فضل صاحب (الكشاف) لتعلم أنه كالشعير مأكول ومذموم، إذ يأخذون منه، ويسيرون على نسقه، فهذا الإمام العظيم ابن القيم يجري مجراه فيما قال من تنوع حروف الجر في هذه الآية المتقدمة:

يقول ابن القيم: {لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} :"في أداة"على"سر لطيف؛ وهو الإشعار بكون السالك على هذا الصراط، على هدى، وهو حق؛ كما قال في حق المؤمنين: {أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ} . وقال لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ} ، والله -عز وجل- هو الحق، وصراطه حق، ودينه حق، فمن استقام على صراطه، فهو الحق والهدى؛ فكان في أداة"على"على هذا المعنى ما ليس في أداة"إلى"، فتأمله فإنه سر بديع"!

ويقول: «فإن قلت: فما الفائدة في ذكر"على"في ذلك أيضًا، وكيف يكون المؤمن مستعليًا على الحق وعلى الهدى؟ قلت: لما فيه من استعلائه وعلوه بالحق والهدى، مع ثباته عليه، واستقامته إليه، فكان في الإتيان بأداة"على"ما يدل على علوه وثبوته واستقامته. وهذا بخلاف الضلال والريب؛ فإنه يؤتى فيه بأداة"في"الدالة على انغماس صاحبه وانقماعه وتدسسه فيه؛ كقوله تعالى: {فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} ، وقوله: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت