فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 275

من عقاب، كما في هذه السورة: {فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} ، وكذلك في سورة البقرة، ولم يعلم آدم العقوبة العاجلة لهذه المعصية إلا بعد اقترافها، كما قال تعالى: {بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا} ، ومحاولة الإنسان الخروج من الأمر القدري هو ما يوقعه في السر: {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} ؛ فهل حقًا يستطيع أن يبلغ الإنسان مراده من هوى النفس ورغبتها بمعصية أمره، وهل حقًا يمنع الله العبد مما خلق لأن في هذا الممنوع منفعته!

كل هذا يسري في الإنسان في لحظة الغفلة واتباع الهوى، وهو قدر لازم للإنسان لا ينفك عنه، وسيقع فيه كما وقع لأبيه من قبل، ولكن كان الفضل لأبيه بالتوبة والاستغفار: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} .

إطلاق الأسماء والمصطلحات على غير حقائقها هو باب اللعب بالإنسان، وهو بوابة الولوج للمعصية، فالشرك يصبح إسلامًا، والبدعة تصبح هداية، والدين يصبح بدعة، وتطلق الشهادة على الكافرين، والمنفعة على الربا، وهكذا تلج المعاصي في الإنسان متجاوزة مانع اللغة الفطري الذي هو ناشئ فيه خلقةً وتربيةً في بيئة الإيمان والتقوى، فإن غابت بيئة الإيمان والتقوى؛ حصل التسليك الشركي باتباع الآباء الذي تكلمنا عنه سابقًا.

هذه حيلة اللفظ، وهي من إحدى معاني التأويل الباطل الذي منع منه أهل العلم.

في هذه الحالة من المعصية نبهت الآيات على معنى يجب استحضاره:

وقوع النتيجة القدرية اللازمة لفعل المعصية، فقال سبحانه: {بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا} ، وكل كلمات التبديل اللغوي لم تنفعهم في صرف هذا القدر اللازم للمعصية، وهذا وإن قبل الله توبة آدم وزوجه -عليهما السلام-؛ إلا أن النتيجة القدرية لم تتخلف، بل سرت فيهما، وكان بعد ذلك الأثر القدري متلبسا في الفعل بلا انفكاك، فقال تعالى: {قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} ، فالكلمات لا ترد الأقدار، بل يردها الحقائق الشرعية التي وضعها الله لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت