اطمئنان الخليل فوق الإيمان، والدليل قوله وقد سأله مولاه: {أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى} ، فما طلبه فوق التصديق، وإنما هو يطلب المشاهدة ليستقر المعنى من جهات أخرى غير الخبر، وهو المعاينة؛ وأما طلبهم فقد جاء بعده: {وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا} ، فدلَّ أن هذا التصديق قبل كان مدخولًا.
فهؤلاء الحواريون -رضي الله عنهم- قدموا ما في نفوسهم من المطالب الحاضرة التي قفزت إلى ألسنتهم سريعًا فأبانت ما عندهم من المعاني النفسية، يقدم فيها ما يقدم ويؤخر فيها ما يؤخر، وكل ذلك يبينه الكلام والقول، ولذلك أخروا أعظم ما في هذا الطلب من جهة مستواه الإيماني، وهو: {وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ} ، وهذا هو في قيم الإيمان وأحكامه أجلّ ما يكون في تبرير هذا السؤال.
وعندما جاء الحديث على لسان روح الله عيسى -عليه السلام-؛ فإنه أبان عن نفس علوية عظيمة تبرر هذا الطلب من جهة الإيمان في الابتداء، وتؤخر منافعه الدنيوية بعد استحياءٍ من تقدمتها على غيرها، فيقول روح الله عيسى- عليه السلام-: {اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ} .
وكلمة"الرب"جوهرها قائم على العطاء والرزق والإيجاد، لأنها تربية، وجوهر كلمة"الله"جوهرها قائم على الطاعة والامتثال لأنها من التأليه، فانظر إليه وهو يتحنن لمولاه بالاسمين معًا، يجمع بينهما ليدلل على أنه مطيع لمولاه أولا ثم هو معترف بعطائه وربوبيته.
ثم أراد منها أن تكون صلة للتاريخ أجمع، لا ينتفع بها من حضرها فقط، بل ينتفع بها الخلق، من حضرها ومن غاب عنها إلى ما شاء الله، فقال: {تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا} ، والعيد أمر تعبدي فيه البهجة والفرح، لما يحصل للعبيد فيه وفي ذكراه من هذا المعاني المبهجة، فهو جامع لمعنيين -أي العيد-: التعبد، والفرح، وهذا أعظم ما يتحنن به العبد في طلبه لما هو عاجل في هذه الدنيا، ثم هو أراد أن يجعلها آية، وتأمل كيف غير روح الله كلمات الحواريين وأوسعها، فلم يقل قولهم: {وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا} ، بل وسع الدلالات، ورقى المعاني، فقال: {وَآَيَةً مِنْكَ} ، وهذا الإطلاق فيه ما فيه من العظمة والجلال والإبانة عن نفس عظيمة لها أدب مع الله تعالى، وعلم به وبما يحب. ثم انظر إليه إذ لم يأت على ذكر الأكل كما ذكر هذا الحواريون، بل