فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 275

سيجد في طريقه الآخر بلاءً أعظم وأشد، ففي طريق بلاء اتباع الشرع؛ يكون عاقبته النصر والظفر وتحصيل المقصود، ويكون في طريقه الذي اختار به شرعًا غير شرع الله خروجًا عن البلاء هذا إلى بلاء فيه الهزيمة والخسارة والخذلان.

في بيان القرآن لحال المنافقين مع النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في سورة النساء جاء فيه اتهامهم له بالتالي: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ} ، ومعنى هذا القول من هؤلاء المنافقين أن اختيار الرسول - صلى الله عليه وسلم - لمواقف ما هي التي كانت تحقق"سيئة"لهم، وبسبب هذا الاختيار عابوا عليه واتهموه أنه سبب هذا البلاء، وإنهم يريدون دومًا الفعل الذي لا يوصل لهذه النتيجة، وهذه المسألة غير ما وصف به رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (ما خير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أمرين إلا اختار أيسرهما) ، لأن هذا في غير ما وجب اتباعه من الشرع.

كان الناس يقولون: الأيسر هو طريق النصح والصبر والإصلاح البطيء، وكان أناس يقولون هذا اختيار مخالف لسنة الله تعالى في الصراع مع الأعداء والطواغيت، فمهما كان طريق الحق صعبًا؛ إلا أنه الصواب الذي يجب اتباعه، وحين يفعل المهتدي فعلته يقول له الآخر:"هذه من عندك، لقد أنزلت علينا البلاء بفعلتك هذه فهلا أخذت بسبيل لا نصب فيه ولا تعب!؟".

وهذه الآيات التي تقدمت في سورة النساء في سياق الحديث عن الجهاد الذي افتتح أمرها بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ} ، إنها الأقدار المنتظرة على كل سبيل، ينظر إليها الفقيه والقائد، وهي لا تهمه ولا تخيفه بسبب الصعوبة، لكنه يتساءل دوما: أهذا هو الطريق أم لا، أموصل هو أم لا؟ فهذا هو اهتمامه بالعواقب، والحكم على الفعل أنه شرعي أو غير شرعي بالعواقب هو سبيل القرآن الكريم:

- {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} ، فهذا تهديد بالنتائج، ومصير الأفعال واختيارات الناس، وهي في نفس التقي تعادل الأمر الشرعي لأن الفعل القدري هو فعل الله وعقوبته، كما الأمر الشرعي هو ما يحبه الله تعالى ويرضاه، أو يبغضه ويكرهه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت