- {فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ} ، والمكر درجات، يمكر الكافر في فعله وكفره، ويمكر المحتال في فتواه وتلعبه، ولكل عقوبته القدرية عند الله تعالى، ومن صور الحيل في هذا الباب تسمية التخفف من الشرع حكمة وتيسيرًا، وتسمية هوى النفس فتوى.
- {وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} ، فهذه موعظة بالقدر الإلهي، والتي أصابت منهم الذكرى والتعلم والنطق بالحق الذي يريده الله تعالى، مع أنه قد تقدم موعظة العلماء لهم بقولهم: {وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ} ، لكنها الكلمات التي لا يحسن التبصر بها إلا العظماء، وبقت شواهد القدر أقوى في نفوس الأكثر من البشر.
وهذا الفقه في القرآن كثير لمن تدبره. وبقيت أمور في هذا الباب:
لماذا يصر البعض على اتخاذ موقف الباطل عندما يعجز عن الحق، ولا يستحيي من إعلانه هذا وإدراجه في فتواه وكلامه!؟
-الفقه القرآني في هذا الباب هو ترك الأقدار تجري على وفق ما اختار الناس من حق وباطل، وأما أنت فلا تترك الحق، وحين تعجز عنه تقول كما قال الصالحون من قبلك: {لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} ، وتعتزل الباطل كما قال القرآن عن فتية أهل الحق: {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ} ، وحينها جرت سنة الله تعالى بصبر هذه الطائفة المؤمنة أن يجري لها من المقادير بفعل الآخر ما يحقق لها النصر والنفاذ لمرادها في الوجود بالنجاة ونصر الإسلام، ولكن مما يؤسف له أن غلبة النجاة هي ما تحكم الناس أكثر من همهم بنصرة الدين.
-هل الأقدار السالفة في الوقوع يحصل بها اتعاظ التابعين لأسلافهم؟
واقع البشرية ينطق بغير هذا، ومما يؤكد قوله تعالى: {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} ، وهو -جل في علاه- القائل: {وَمَا مَنَعَ النَّاس أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمْ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبّهمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّة الْأَوَّلِينَ أو يَأْتِيَهُمْ الْعَذَاب قُبُلًا} .