معذور في عمله مع الباطل، فهذا من خداع النفس. نعم للإكراه أحكامُه، ولكن فرق بين الإكراه الملجئ الذي تنقطع فيه إرادة المرء، وبين الذهاب للكفر أو الضلال بالاختيار طمعًا في دنيا عاجلة.
هذا المؤمن الخفي بحالته التي عرضها القرآن هي النموذج الذي يتكرر لحالة الفرادة الذاهبة بعيدًا عن أسر القطيع، الذي يسير بالغريزة نحو الأكل والمشرب دون وعي على العاقبة، ودون التفكر علمًا وعقلا بالحق ومعالمه، وبالباطل ونتن ريحه البادية لكل عقل.
وتبقى صورة الفرادة حالة إيمان ووعي وعقل وهداية مفتوحة الطريق والسبيل يسلكها الذي أراد الله لهم أن يكونوا هم عمد العالم ونور الوجود، تتنزل عليهم الملائكة ويحفهم رضوان الله تعالى، وتذكر أن في سورة غافر حمائل من نور تعين هذا الفريد الذي يعيش غربته، فهناك قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} ، وهناك ذكر الدار الآخرة: {إِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا} ، وهناك عدة السير: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} ، وهكذا تكون سورة غافر هي سورة المؤمن السائر إلى الله وحده غريبًا، يأخذ منها زاده ومثاله.
وبهذا تعلم معنى السير في الأرض الذي أراده الله لك في قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} ، فهؤلاء الغرباء وهم كحالة الذئب انفرادًا؛ هم من أقدر البشر على إدراك سنن الله في الوجود، فلا تغرهم كل صرخات فرعون وهامان وقارون وهم يعلنون: {اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ} ، ذلك بأنهم يعلمون قوله تعالى: {وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ} .