فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 275

وتزاد الحجة بيانًا في هذا الأمر بعد إرسال الرسل كما تقدم في السورة من قوله تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} ، وهذه -أي قوله: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} - تأكيد لما تقدم من صلاح الأصل الذي خلق عليه الإنسان، كما هو الصلاح الذي خلق عليه الوجود.

فإن قيل: فأين موضع قوله تعالى: {إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} ؛ قيل: هذا حال لا يقع إلا بعد اتباع الهوى، والسير عليه، وذلك بعد بيان الحجة ووضوحها، فإذا استمرأت النفس الشر حسبته حسنًا، وإذا وافقت الشر في الابتداء ثم سارت عليه حتى ألفته صار هو الحق عندها، وهذا هو واقع البشرية في كل زمان؛ اليوم والبارحة، يأتي إلى الشر وهو عالم به، تحذره الفطرة من إتيانه، فما زال مصرًا عليه، مقبلًا عليه بكله حتى يحبه ويراه الحق دون غيره.

وهناك معنى آخر في هذا غير ما تقدم، وهو أن من عمل الشيطان اتباع الأماني، أو غيرها من السبل، أو موافقته كما في هذه السورة في قوله تعالى: {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} ، وغير ذلك مما يتعلق به العاصي من سبل الشيطان للإقامة على المعصية.

وهناك معنى ثالث، وهو تعلق هذا بغير هذا الأمر، إنما في قوله تعالى عنهم بقولهم: {وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} ، وهذه في الشر أكبر من الأولى، وهي ما سيأتي الكلام حوله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت