فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 275

المعاني بين المتخاطبين؛ لكنها كذلك معاني شعورية، تمس الأحاسيس والمشاعر، وحيث يطلق اللفظ الذي تحبه النفس على شيء حتى لو كان في ذاته مما تأباه النفس؛ فإن اللفظ يسرق شعور الإباء هذا ليحط بدلًا منه شعور القبول والحب، وهكذا علم الشيطان مصدر قوة الإنسان في هذا البيان، فبه حصل له العلم الذي أسجد له الملائكة في قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} ، فمن مركز قوته أتاه، لا بإزالتها ولكن بالتلعب بها وإفسادها.

هذا الباب -وهو باب إفساد العلم- هو ما اهتمت هذه السورة به، وأتت عليه بتفصيل وتوضيح مهم، بل بينت وسائله وسبله.

يقول الله تعالى في السورة كاشفًا حجة المعرضين عن أمره بقوله: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} ، وقد شرح المقولة الأولى بعدم اعتبار هذه الحجة وهو اتباع السابقين بقوله تعالى: {قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ * وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ} ، فلم يجعل الله للتابع حجة بكونه سائرًا على سنن السابق من آبائه وغيرهم؛ بل إن الآيات التي بعدها تدل أن علة هذا الاتباع هو الكبر من اتباع الحق، وتأمل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ، ذلك لو سألت: لم هذه الجملة المعترضة في الحديث عن المؤمنين بقوله: {لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} ، وتأملت ما تقدم من خصومة التابع مع المتبوع، وما تقدم من حجة العاصي من أنه وجد أباه يفعل ففعل؛ علمت أن هذه الجملة سببها بيان إدراك النفوس للحق حتى مع كل سبل الشر، ومع حجج النفس من وجود الموانع المدعاة لهذا الاختيار للباطل، فالحق الذي كلف الله النفوس به ليس غامضًا ليحجبه وجود أب سابق له في الفعل، ولا هو غامض حتى يستره السابق عن اللاحق؛ فهؤلاء المؤمنون الذين جنوا هذه العاقبة بعملهم كما قال تعالى: {وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} ليس أمرهم في إدراك الحق بأقوى من غيرهم، فليس الفضل في العلم بالحق، ولكنه الفضل في اتباع الحق وعدم اتباع الهوى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت