تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ، ذلك لأن اعتقاد المرء بربه على جهة الحق تجعله يأتي إلى شريعة الصلاح، ويعرض عن الفساد، وربط هذا الإتيان بصفات رب العالمين، فإن نسب الشر لأمره، فإنما هو الإلحاد في أسماء الله وصفاته، ولذلك كلما كان المرء عالمًا بربه؛ كلما كان عالمًا بشرعه، وكلما كان عابدًا متقربًا إلى الله بإخباته وطاعته وعبادته وتسبيحه وذكره؛ كلما كان أقرب في فهم مقتضيات هذه الصفات، أي أعلم بالحق عند مضايق الطرق، وهذه لا يفهمها إلا من أدام الذكر والصلاة والاستغفار حيث يحس صاحب هذا الحال نور الله في قلبه بهدايته إلى ما فيه صلاح الوجود، والبعد عن أسباب فساده.
وقضية الفساد في الأرض تكررت في خطاب الأنبياء لقومهم في هذه السورة كما تقدم من قول شعيب -عليه السلام-، وكذلك من قول صالح -عليه السلام- وهو يقول لقومه: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} ، ثم انظر تكرار ذكر عاقبة المفسدين، كما في قول شعيب -عليه السلام-: {وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} ، وكذلك في قوله تعالى مخبرًا عن عاقبة فرعون وقومه: {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} ، هذا مع ما ذكر في السورة من سنن الإهلاك التي سنمر عليها إن شاء الله فيما يأتي.
ومن تنبيهات القرآن على قضية رد الدعوى الباطلة في كون المعصية هي شرع الله تعالى، جاء قوله سبحانه تعظيمًا لهذا الجرم حيث جعله أعظم ما يقع في الوجود من فساد، وهو نسبة الباطل لدين الله تعالى وشرعه، فقال سبحانه: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} ، فجعل القول على الله أعظم من الشرك به تعالى، ذلك لأن الآية أتت بالمعاصي من الأدنى إلى الأعلى كما هو بيِّن، ثم جعل سبحانه الكذب عليه أعظم من التكذيب بآياته والاستكبار عليها، فقال سبحانه في هذه السورة: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ} ، وذاك بعد قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ، وفي هذه السورة كشف لكيفية وقوع هذا الادعاء، أخر خبره إلى نهاية السورة، وذلك في قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} ؛ فهذه الصورة من علماء