الضلالة الذين باعوا أنفسهم لغير الله رجاء العاجلة، وتركًا لوعد الله في الآخرة هم سبب هذا الفساد، لأنهم يوقعون عن رب العالمين، والناس يأتونهم ليأخذوا منهم ما قال الله تعالى من الأمر والنهي، فيصدرون عنهم بالباطل والشر والفساد، ذلك لما يخبرونهم من الكذب عليه -جل في علاه-.
هذا الخبر عن هذا الذي أعطاه الله العلم فلم ينتفع به هو الإجابة عن سؤال السائل: كيف جاز لهذه الجموع أن تكذب على الله وتنسب له الحكم بالشر والباطل.
الجواب هنا: حيث يكمن في علماء السوء الذي وصفهم الله بالكلاب، ثم قال -جل في علاه-: {سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ} ، وهؤلاء هم من قال فيهم هنا: {الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا} ، وعادة القرآن أن يقدم اللعب على اللهو؛ وذلك لأن هذا هو السنة في جريان أمر الإنسان، إذ يبدأ في صغره باللعب، ثم إذا كبر وترك الواجب صار فعله لهوًا، لأنه من الإلهاء، وهو صرف الفعل من الواجب أو ما في معناه إلى ضده، فهو من الصغير لعب، ومن الكبير لهو، ولكن هاهنا في هذه السورة حديث عن اتخاذ الدين، فجعلوا دينهم الذي يدينون به لهوًا، أي صرفًا من الحق إلى الباطل، ومن الخير إلى الشر، فلهوا بما وضع له من الصلاح إلى الفساد، ثم جعلوا هذا الدين بعد تحويله لعبًا، وهذا كذلك تجده في سورة العنكبوت، حيث قدم اللهو على اللعب بخلاف الحديث عن حالة الإنسان العامة.
هذا الأمر، وهو حال المبلغ عن الله تعالى، وكيف هو بصورتيه الحسنة والقبيحة، هو ما اهتمت به السورة، فتأمل قول موسى -عليه السلام- وهو يخاطب فرعون: {حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ} ، وتأمل قول هود -عليه السلام- وهو ينبههم إلى كذبهم على الله تعالى: {أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} ، ثم انظر في قول شعيب -عليه السلام-: {وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ} ، هكذا بإطلاق يدخل فيه الإيعاد والوعد بالكذب الباطل في كل صوره، ومنه زعم الحسنة والسيئة، كذلك تأمل ذكر خبر القرية التي كانت تعصي أمر الله يوم السبت، تحايلًا على شرعه، ثم كيف نجى الله الناهين من العذاب؛ تعلم أن من أعظم مقاصد هذه السورة بيان عظم الكذب على الله تعالى، وإن من أعظم الشر في الوجود هو نسبة الفاحشة والغلط على الدين، وأنه أكبر وأعظم ما يعصي به هذا الإنسان ربه.