وحتى لا يبقى الكلام مجردًا هكذا، فلنذهب للسورة مباشرة لنحاول كشف بعض سرها المكنون.
والله الموفق.
القضية الأولى:
أن من أعظم القضايا التي تتساءل البشرية حولها قديمًا وحديثًا هو أصل الوجود؛ أهو قائم على الحق أم الباطل!؟
هل نزعة الخير أم الشر هي الأصيلة في الإنسان!؟
كيف تنشأ المعاني الاجتماعية والقيمية في البشر!؟ ثم كيف تتغير؟
فهذه أسئلة الإنسان حول نفسه هو، وحقيقته هو، ولكنه كذلك وهو يتساءل هذه الأسئلة يحاول كاذبًا على نفسه أن يلغي حركته المربوطة بهواه لا بفكره، وبشهوته لا بعقله، وهذه من أهم قضايا القرآن الكريم، ومع ذلك فإن البشر في أسئلتهم الوجودية الكبرى التي تقدمت هربوا منها، لأنها تكشف حقائقهم الضعيفة، وتهديهم رغم أنوفهم إلى طريق النبوة اللازمة لهذا الإنسان ووجوده.
قال تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} .
إذًا بُني هذا الوجود بما فيه من أقدار على الصلاح، فكل ما فيه تام الخلقة، صالح لما وجد له، قائم لمقاصده، وإنما يأتي الفساد من الإنسان، فالأرض قد أصلحت، والله يحذر الإنسان من إفسادها، وهذه الآية قد سبقت بالتالي: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} ، فالأرض والسموات والنجوم ومسيرة الوجود في أقداره كلها قامت على الحق والصلاح، وهي لدوام صلاحها يجب منع إفسادها من الإنسان، ولذلك بعد ذكر الخلق؛ جاء ذكر الأمر.
وعليه فإن معيار الحق في هذا موافقة الأمر لما وجد عليه الخلق، فبفهمك لسنن الوجود القدرية تكون مدركًا لحقيقة الأمر الشرعي وصوابه، وهذا هو قمة فقه الصحابة -رضي الله عنهم- والتابعين من بعدهم.