منهم أكثرهم فضلا, وأكملهم شروطا، فإذا تعين لهم من بين الجماعة من أداهم الاجتهاد إلى اختياره وعرضوها عليه, فإن أجاب إليها بايعوه عليها, وانعقدت له الإمامة ببيعتهم ولزم كافة الأمة الدخول في بيعته والانقياد لطاعته, وإن امتنع من الإمامة ولم يجب إليها لم يجبر عليها وعدل إلى من سواه من مستحقيها فبويع عليها" [1] ."
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"بعض أهل الكلام يقولون: إن الإمامة تنعقد ببيعة أربعة، كما قال بعضهم: تنعقد ببيعة اثنين، وقال بعضهم تنعقد ببيعة واحد، فليست هذه أقوال أئمة السنّة، بل الإمامة عندهم تثبت بموافقة أهل الشوكة عليها، ولا يصير الرجل إمامًا حتى يوافقه أهل الشوكة عليها الذين يحصل بطاعتهم له مقصود الإمامة، فإن المقصود من الإمامة إنما يحصل بالقدرة والسلطان، فإذا بُويع بيعة حصلت بها القدرة والسلطان صار إمامًا ... فالإمامة ملك وسلطان، والملك لا يصير ملكًًاًً بموافقة واحد ولا اثنين ولا أربعة، إلا أن تكون موافقة هؤلاء تقتضي موافقة غيرهم، بحيث يصير ملكًا بذلك ... وكذلك عمر لما عهد إليه أبو بكر إنما صار إماما لما بايعوه وأطاعوه، ولو قدر أنهم لم ينفذوا عهد أبي بكر ولم يبايعوه لم يصر إماما، سواء كان ذلك جائزا أو غير جائز ..."
ولو قدر أن عمر وطائفة معه بايعوه (يعني أبا بكر رضي الله عنه) وامتنع سائر الصحابة عن البيعة لم يصر إماما بذلك، وإنما صار إماما بمبايعة جمهور الصحابة الذين هم أهل القدرة والشوكة، ولهذا لم يضر تخلف سعد بن عبادة، لأن ذلك لا يقدح في مقصود الولاية، فإن المقصود حصول القدرة والسلطان اللذين بهما تحصل مصالح الإمامة، وذلك قد حصل بموافقة الجمهور على ذلك ... فمن قال إنه يصير إمامًا بموافقة واحد أو اثنين أو أربعة وليسوا هم ذوي القدرة والشوكة فقد غلط، كما أن من ظن أن تخلف الواحد أو الاثنين أو العشرة يضر فقد غلط" [2] ."
وقال ابن خلدون رحمه الله:"اعلم أن البيعة هي العهد على الطاعة، كأن المبايع يعاهد أميره على أنه يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين ... ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر على المنشط والمكره، وكانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا عهده جعلوا أيديهم في يده تأكيدا للعهد، فأشبه ذلك فعل البائع والمشتري، فسمي بيعة مصدر باع، وصارت البيعة مصافحة بالأيدي هذا مدلولها في عرف اللغة ومعهود الشرع، وهو المراد في الحديث في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة وعند الشجرة" [3] .
ويبايع الإمام على إقامة شرع الله تعالى والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم, ولا يجوز أن يقصد المبايع عرضا من الدنيا: إن أعطي مقصوده رضي، وإن لم يعط سخط ولم يف بالبيعة وغدر بالإمام، وقد قال صلى الله عليه وسلم:"ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بالطريق يمنع منه ابن السبيل، ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنياه إن أعطاه ما يريد وفى له وإلا لم يف له، ورجل بايع رجلا بسلعة بعد"
(1) الأحكام السلطانية.
(2) منهاج السنة النبوية.
(3) مقدمة ابن خلدون.