فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 309

والنظر في أمورهم إلى غير ذلك مما تقدم ذكره, وما فيه من الفسق يقعده عن القيام بهذه الأمور والنهوض بها، فلو جوزنا أن يكون فاسقا أدى إلى إبطال ما أقيم لأجله, ألا ترى في الابتداء إنما لم يجز أن يعقد للفاسق لأجل أنه يؤدي إلى إبطال ما أقيم له وكذلك هذا مثله" [1] , وسواء قصد القرطبي رحمه الله بكلامه خلع الحاكم الفاسق بالخروج عليه بالقوة والقتال أو قصد خلعه بدون قتال ومفسدة أعظم, فليس هذا هو المقصود من نقل كلامه, وإنما محل الشاهد من كلامه والمقصود منه هو قوله:"فلو جوزنا أن يكون فاسقا أدى إلى إبطال ما أقيم لأجله، ألا ترى في الأبتداء إنما لم يجز أن يعقد للفاسق لأجل أنه يؤدي إلى إبطال ما أقيم له وكذلك هذا مثله", وما قاله حق فإن عزل الحاكم الذي طرأ عليه الفسق هو وفق القياس وجاري مع الأصل الذي منع لأجله الفاسق من تولي الإمامة ابتداءً."

ثالثا: أن من المعلوم في الشريعة الإسلامية أن الولاة والوزراء والقضاة إذا ظهر من أحدهم الفسق والخيانة مع وجود الأولى فإنه يعزل تحقيقا للمصلحة والعدل ودرءًا للفساد والظلم, فإذا كان عزل هؤلاء واجبا فكذلك الإمام العام يعزل لفسقه من باب أولى, فإن المفسدة ببقائه أعظم من مفسدة إبقاء غيره من الولاة الذين ظهر عليهم الفسق.

رابعا: أن الفسق قد يتدرج بالحاكم إلى الاستبداد بالأمر وتعيين الموالين له في قيادة الجيش والولايات حتى لا يقدر أحد على محاسبته ومحاكمته، ثم يرتكب بعد ذلك هو ومن معه أنواعا من الفساد والظلم وربما الكفر، كما قد وقع في بعض الحالات، ولا يستطيع المسلمون بعد ذلك عزله لعدم القدرة، فإذا كان الفسق قد يتدرج بالحاكم إلى الظلم العظيم والكفر فينبغي سد الذريعة الموصلة إلى الكفر وحسم الشر في أوله بعزل الحاكم الفاسق مع القدرة، وتعيين إمام عادل.

خامسا: من القواعد الشرعية"أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"فإذا كان في بقاء الحاكم الفاسق تركا للواجبات وفعلا للمحرمات وقد أمكن عزله دون مفسدة فيجب أن يعزل.

سادسا: أن من منع الخروج بالقوة على الحاكم الفاسق قد علل المنع بحصول مفسدة أعظم من المفسدة التي يراد إنكارها، وهذه العلة منتفية مع العزل بالفسق دون حدوث فتنة وإراقة دماء ومفسدة أعظم, والحكم يدور مع علته وجودا وعدما.

و يكون عزل الحاكم الفاسق ممكنا إذا كان ولاء الولاة والوزراء والقضاة والقادة والجنود لله تبارك وتعالى ولرسوله وللمؤمنين، كما قال تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ. وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} ففي هذه الحالة لن يستطيع الإمام الذي طرأ عليه الفسق الممانعة والاحتماء بالجند وغيرهم.

وهذا الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين من أعظم الواجبات التي يجب أن يرسخها العلماء والقادة وغيرهم في الأمة، ويأتي في باب سياسات احترازية زيادة تفصيل.

(1) الجامع لأحكام القرآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت