وأما إذا طرأ على الإمام العام الفسق فلا يجوز الخروج عليه بالقوة، التي قد يترتب عليها من المفاسد والمنكرات والفتن ما هو أعظم من المنكر الذي قصد إزالته، وقد قال صلى الله عليه وسلم:"من كره من أميره شيئا فليصبر, فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية"متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم:"إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها"قالوا: يا رسول الله كيف تأمر من أدرك منا ذلك؟ قال:"تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم"متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم:"خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم, وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم"قالوا قلنا: يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال:"لا ما أقاموا فيكم الصلاة، لا ما أقاموا فيكم الصلاة"رواه مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم:"ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يدا من طاعة"رواه مسلم، وترك الخروج عليه لا يعني السكوت عن فسقه وما يرتكبه من منكرات, بل الواجب نصحه والإنكار عليه ومحاسبته ومحاكمته, وألا يطاع ولا يعاون في معصية الله تعالى، وقد تقدم الكلام في هذا.
وإذا أمكن عزل الإمام الذي طرأ عليه الفسق دون وقوع قتنة وإراقة دماء ومفسدة أعظم من مفسدة إبقائه ففي هذه الحالة يجب أن يعزل, ويولى على المسلمين أفضل من توفرت فيه الشروط الشرعية, قال الحافظ ابن حجر رخمه الله:"ونقل ابن التين عن الداودي قال: الذي عليه العلماء في أمراء الجور أنه إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب، وإلا فالواجب الصبر" [1] ، ويرجح هذا القول ما يلي:
أولا: أن النصوص الشرعية العامة أوجبت الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب القدرة والاستطاعة، وقد أخبر الله تعالى عن شعيب عليه الصلاة والسلام أنه قال: {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِى إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} , وقال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} , وعن أَبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي اللَّه عنه قال: سمِعْتُ رسُولَ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يقُولُ:"مَنْ رَأَى مِنْكُم مُنْكرًا فَلْيغيِّرْهُ بِيَدهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطعْ فبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبقَلبهِ، وَذَلَكَ أَضْعَفُ الإِيمانِ"رواه مسلم.
وقال صلى الله عليه وسلم:"ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيروا ثم لا يغيروا إلا يوشك أن يعمهم الله منه بعقاب"رواه أبو داود, وفسق الحاكم من المنكرات الكبيرة التي تؤدي إلى انتشار الفساد والظلم في الأمة, فإذا وجدت القدرة على إزالة هذا المنكر المتمثل بولاية الفاسق فيجب أن يعزل لعموم الأدلة.
ثانيا: أن في عزل الإمام الفاسق وتعيين الإمام العادل دون حدوث فتنة وإراقة دماء, مصلحة كبيرة لا تأتي الشريعة بإلغائها, وتوجب ترك الحاكم الفاسق إماما عاما للمسلمين, مع ما يترتب على بقائه من المفاسد العظيمة, قال القرطبي رحمه الله:"الإمام إذا نصب ثم فسق بعد انبرام العقد، فقال الجمهور: إنه تنفسخ إمامته ويخلع بالفسق الظاهر المعلوم، لأنه قد ثبت أن الإمام إنما يقام لإقامة الحدود واستيفاء الحقوق وحفظ أموال الأيتام والمجانين"
(1) فتح الباري.