وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَاكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ، وقال تعالى {وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَاكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ} ، وقال تعالى {وَقَالُوا مَا لِهَاذَا الرَّسُولِ يَاكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ} .
وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يشتغلون بالتجارة والزراعة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال"يقولون: إن أبا هريرة يكثر الحديث، والله الموعد، ويقولون: ما للمهاجرين والأنصار لا يحدثون مثل أحاديثه، وإن أخوتي من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخوتي من الأنصار كان يشغلهم عمل أموالهم، وكنت امرأ مسكينا، ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني، فأحضر حين يغيبون، وأعي حين ينسون، وقال النبي صلى الله عليه وسلم يوما:"لن يبسط أحد منكم ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه، ثم يجمعه إلى صدره فينسى من مقالتي شيئا أبدا"فبسطت نمرة ليس عليَّ ثوب غيرها، حتى قضى النبي صلى الله عليه وسلم مقالته، ثم جمعتها إلى صدري، فوالذي بعثه بالحق، ما نسيت من مقالته تلك إلى يومي هذا، والله لولا آيتان في كتاب الله، ما حدثتكم شيئا أبدا: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ} - إلى قوله - {الرحيم} "متفق عليه.
وعن عبيد بن عمير"أن أبا موسى استأذن على عمر ثلاثا، فكأنه وجده مشغولا فرجع، فقال عمر: ألم أسمع صوت عبدالله بن قيس، ائذنوا له، فدعي له فقال: ما حملك على ما صنعت. قال: إنا كنا نؤمر بهذا، قال: لتقيمن على هذا بينة أو لأفعلن، فخرج فانطلق إلى مجلس من الأنصار، فقالوا: لا يشهد لك على هذا إلا أصغرنا، فقام أبو سعيد فقال: كنا نؤمر بهذا، فقال عمر: خفي علي هذا من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألهاني عنه الصفق بالأسواق"رواه البخاري ومسلم.
وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت:"لقد خرج أبو بكر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تاجرا إلى بصرى لم يمنع أبا بكر من الضن برسول الله صلى الله عليه وسلم شحه على نصيبه من الشخوص للتجارة، وذلك كان لإعجابهم كسب التجارة وحبهم للتجارة، ولم يمنع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر من الشخوص في تجارته لحبه صحبته وضنه بأبي بكر، فقد كان بصحبته معجبا لاستحسان رسول الله صلى الله عليه وسلم للتجارة وإعجابه بها"رواه الطبراني في الكبير والأوسط بنحوه، وقال الهيثمي: ورجال الكبير ثقات.
والتجارة في الإسلام لها أحكامها وأخلاقها وآدابها, وليست كالتجارة في الدول الكافرة التي تقوم على الظلم والربا والجشع والاحتكار, وقد قال تعالى {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ. الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ. وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ. أَلا يَظُنُّ أُوْلَائِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ. لِيَوْمٍ عَظِيمٍ. يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} ، وقال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَاكُلُو ا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ منْكُمْ وَلاَ تَقْتُلُو ا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} .
وعَنْ جابرٍ، رضي اللَّه عنْهُ، أن رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَالَ:"رَحِم اللَّه رجُلا سَمْحًا إذا بَاع وَإذا اشْتَرى، وَإذا اقْتَضىَ"رواه البخاريُّ.