أخذه منه لمنع أو نحوه (و) من ذلك (صنائع مباحة محتاج إليها غالبا) لمصالح الناس الدينية والدنيوية البدنية والمالية (كخياطة وحدادة وبناء وزرع وغرس) لأن أمر المعاد والمعاش لا ينتظم إلا بذلك فإذا قام بذلك، أهله بنية التقرب كان طاعة، وإلا فلا (و) من ذلك إقامة الدعوة إلى دين الإسلام (كدفع شبه بحجة وسيف) لمن عاند لقوله تعالى: {وجادلهم بالتي هي أحسن} (و) منه (أمر بمعروف) ونهي عن منكر بشرطه"."
وقال شيخ الإسلام رحمه الله:"قال غير واحد من الفقهاء من أصحاب الشافعى وأحمد بن حنبل وغيرهم كأبى حامد الغزالى وأبى الفرج ابن الجوزى وغيرهم: إن هذه الصناعات فرض على الكفاية، فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بها، كما أن الجهاد فرض على الكفاية إلا أن يتعين، فيكون فرضا على الأعيان، مثل أن يقصد العدو بلدًا أو مثل أن يستنفر الإمام أحدا ..."
والمقصود هنا أن هذه الأعمال التى هي فرض على الكفاية متى لم يقم بها غير الانسان صارت فرض عين عليه، لاسيما إن كان غيره عاجزا عنها، فإذا كان الناس محتاجين إلى فلاحة قوم أو نساجتهم أو بنائهم صار هذا العمل واجبا يجبرهم ولي الأمر عليه إذا امتنعوا عنه بعوض المثل ولا يمكنهم من مطالبة الناس بزيادة عن عوض المثل، ولا يمكن الناس من ظلمهم بأن يعطوهم دون حقهم ...
وكذلك إذا احتاج الناس إلى من يصنع لهم آلات الجهاد من سلاح وجسر للحرب وغير ذلك فيستعمل بأجرة المثل لا يمكن المستعملون من ظلمهم ولا العمال من مطالبتهم بزيادة على حقهم مع الحاجة اليهم" [1] ."
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله:"ومن ذلك أن يحتاج الناس إلى صناعة طائفة كالفلاحة والنساجة والبناء وغير ذلك فلولي الأمر أن يلزمهم بذلك بأجرة مثلهم، فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بذلك."
و لهذا قالت طائفة من أصحاب أحمد والشافعي: إن تعلم هذه الصناعات فرض على الكفاية لحاجة الناس إليها، وكذلك تجهيز الموتى ودفنهم, وكذلك أنواع الولايات العامة والخاصة التي لا تقوم مصلحة الأمة إلا بها ...
و المقصود أن هذه الأعمال متى لم يقم بها إلا شخص واحد صارت فرضا معينا عليه, فإذا كان الناس محتاجين إلى فلاحة قوم أو نساجتهم أو بنائهم صارت هذه الأعمال مستحقة عليه يجبرهم ولي الأمر عليها بعوض المثل، ولا يمكنهم من مطالبة الناس بزيادة عن عوض المثل، ولا يمكن الناس من ظلمهم بأن يعطوهم دون حقهم" [2] ."
والواجب على الحكومة الإسلامية ألا تركن إلى الدعة والراحة والبطالة، وتكتفي بما يصنع وينتج غيرها, بل عليها الاجتهاد في التصنيع والإنتاج المحلي في جميع المجالات: كالصناعات العسكرية وغير العسكرية وفي المجال التقني وغيرها من المجالات.
(1) مجموع الفتاوى.
(2) الطرق الحكمية.