فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 309

ومن أعظم الناس جدلا وخصومة بالباطل، المنافقون الذين فسدت عقولهم وفطرهم، وأصبح الفساد في الأرض عندهم إصلاحا، كما قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُو ا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ. أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَاكِن لاَّ يَشْعُرُونَ} .

وقال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ. وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ. وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} ، أي يظهر من الأقوال ما يعجب السامع {وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ} أي يظهر الإسلام ويبارز الله تعالى بما في قلبه من الكفر والنفاق، وقيل: إنه يحلف و يشهد الله أن ما قاله موافق لما في قلبه، والألد: هو الأعوج الشديد في الخصومة، وهذا هو حال المنافق الذي لا يستقيم في حال مخاصمته ولا يرجع للحق، بل يكذب في أقواله ويفجر في خصومته، ويدعي الحق باطلا والباطل حقا، كما قال صلى الله عليه وسلم:"آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر"رواه البخاري ومسلم، وقال صلى الله عليه وسلم"أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم"رواه مسلم.

فأهل الردة وأهل النفاق قد استبدلوا التحاكم إلى الكتاب والسنة بالتحاكم إلى عقولهم القاصرة الفاسدة، وأهوائهم واستحساناتهم، حيث جعلوا عقولهم الفاسدة طاغوتا، يرجعون إليه عند التنازع والخلاف، وأصبح دأبهم في أقوالهم وكتاباتهم وفي وسائل إعلامهم رد كلام الله تعالى بما تستحسنه عقولهم، والمجاهرة بالكفر والنفاق والطعن في دين الله تعالى، قال حذيفة رضي الله تعالى عنه"إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، كانوا يومئذ يسرون واليوم يجهرون"رواه البخاري، وقال رضي الله عنه"إنما كان النفاق على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان"رواه البخاري.

فإن هؤلاء الذين يَدْعُون في وسائل الإعلام وغيرها إلى الرد عند التنازع إلى عقولهم الفاسدة واستحساناتهم هم من جنس المكذبين بالرسل عليهم الصلاة والسلام، فيقال لهم أولا: إن الإسلام قد فطر الله تعالى العباد عليه، فلا يتعارض مع العقول السليمة، وقد تقدم الكلام في هذا، ويقال ثانيا: إن معارضتكم لأحكام الإسلام باستحساناتكم العقلية الفاسدة ينافي ما تزعمونه من الإيمان بكلام الله تبارك وتعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: {وَيِقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ منْهُمْ من بَعْدِ ذالِكَ وَمَآ أُوْلَائِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} ، وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُو ا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُو ا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا} ، والتحاكم إلى عقول الناس تحاكم إلى الطاغوت.

فحقيقة هؤلاء أنهم من جنس المكذبين بالرسل عليهم الصلاة والسلام، وقد ذكر الله تعالى في كتابه اعتراضات المكذبين باستحساناتهم وعقولهم الفاسدة علي أخبار الله تعالى وأحكامه، كقوله تعالى: {وَقَالُوا مَا لِهَاذَا الرَّسُولِ يَاكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا} ، وقوله تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَآءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُل للَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} ، وقوله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت