و أما القوانين الوضعية فلا تعوّل على طهارة النفوس وزكاتها، وليس من أهدافها صلاح المجتمع واستقامته وطهارته من المنكرات، بل تحمي هذه القوانين أنواع الكفر، والفسوق، والانحطاط الأخلاقي، مما جعل المجتمعات التي تتحاكم إليها تعاني من شيوع الكفر والرذيلة والفواحش، و من تفكك الأسرة والمجتمع.
فالقوانين الوضعية قائمة على الكفر بالله والإعراض عن دينه، ولهذا فليس من أهدافها استقامة العباد على طاعة الله تعالى وتزكيتهم، بل غايتها واحدة وهي تحصيل المتعة بأنواعها والأكل، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَاكُلُونَ كَمَا تَاكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} .
والتمتع عام فيشمل جميع أنواع التمتع: كالتمتع بالأموال، واللباس، والمركب، والبيت، والتمتع بارتكاب الفواحش والمعاصي، ومن صور التمتع تمتع حكامهم الطغاة بالعلو في الأرض، واحتلال بلاد الآخرين، ونهب خيراتهم، وغيرها الكثير من صور التمتع التي جاءت قوانينهم وأنظمتهم الوضعية بتحصيلها، وتنميتها، وحمايتها من التهديدات والمنغصات.
ومن الأمثلة على انحطاط قوانينهم الوضعية في أهدافها أن هذه القوانين لا تحمي الضرورات الخمس التي جاء الإسلام بحفظها، وهي: الدين والعرض والنفس والمال والعقل.
فلا يحافظون على الدين والعرض والعقل، لأن المحافظة عليها تعني أن يحال بينهم وبين كفرهم وشهواتهم، و أما ضرورتا النفس والمال فهم لا يحافظون عليها المحافظة العادلة التي جاء بها الإسلام، وإنما يحمون هاتين الضرورتين حماية ضالة ناقصة بما يتوافق مع رفاهيتهم وشهواتهم وتمتعهم في حياتهم الدنيا، ويسنون لذلك القوانين الجائرة.
وأما الإسلام فقد جاء بالمحافظة على هذه الضرورات الخمس التي لا صلاح للعباد ولا سعادة لهم في الدنيا والآخرة إلا بالمحافظة عليها، فشرع الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، وحد الردة وغيرها من الأحكام لحفظ ضرورة الدين، وشرع سبحانه وتعالى حد الزنى والقذف للمحافظة على الأعراض، بل جاءت الشريعة بتحريم جميع الوسائل الموصلة والمقربة إلى الزنى كالنظر إلى النساء الأجنبيات، والخلوة بالأجنبية، وسفر المرأة وحدها، ومس المرأة الأجنبية، واختلاط النساء بالرجال، والتبرج والسفور كما قال تعالى: {قُلْ للْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذالِكَ أَزْكَى لَهُمْ} .
وقال تعالى: {ياأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذالِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} .
وقال تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} .
وقال عمر رضي الله عنه في قوله تعالى: {فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَآءٍ} قال:"جاءت تمشي على استحياء قائلة بثوبها على وجهها ليست بسلفع من النساء، ولاجة خراجة"رواه ابن أبي حاتم. قال ابن كثير، هذا إسناد صحيح، والسلفع من النساء السليطة الجريئة.
وقال صلى الله عليه وسلم لعلي:"يا علي لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى، وليست لك الآخرة"رواه الترمذي وأبو داود.