فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 309

دِينًا , قال الإمام الشاطبي رحمه الله:"إن الله تعالى أنزل الشريعة على رسوله صلى الله عليه وسلم فيها تبيان كل شاء، يحتاج إليه الخلق في تكاليفهم التى أمروا بها، وتعبداتهم التي طوقوها في أعناقهم، ولم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كمل الدين بشهادة الله تعالى بذلك، حيث قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلاَمَ دِينًا} , فكل من زعم أنه بقي في الدين شيء لم يكمل فقد كذب بقوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ} ... ولكن المراد كلياتها فلم يبق للدين قاعدة يحتاج إليها في الضروريات والحاجيات أو التكميليات إلا وقد بينت غاية البيان. نعم يبقى تنزيل الجزئيات على تلك الكليات موكولا إلى نظر المجتهد، فإن قاعدة الاجتهاد أيضا ثابتة في الكتاب والسنة، فلا بد من إعمالها ولا يسع تركها" [1] , وعن أبي ذر رضي الله عنه قال:"تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكرنا منه علما قال فقال صلى الله عليه وسلم"ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بين لكم"رواه الطبراني في الكبير."

وقال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ. إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} , أخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله تعالى {تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} قال:"مما أحل لهم وحرم عليهم"وفي رواية:"ما أمر به وما نهى عنه", وقال العلامة السعدي رحمه الله:"وقوله: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} في أصول الدين وفروعه، وفي أحكام الدارين، وكل ما يحتاج إليه العباد، فهو مبين فيه أتم تبيين، بألفاظ واضحة، ومعان جلية، حتى إنه تعالى يثني فيه الأمور الكبار، التي يحتاج القلب لمرورها عليه كل وقت، وإعادتها في كل ساعة، ويعيدها، ويبديها بألفاظ مختلفة وأدلة متنوعة، لتستقر في القلوب فتثمر من الخير والبر، بحسب ثبوتها في القلب. وحتى إنه تعالى يجمع في اللفظ القليل الواضح، معاني كثيرة، يكون اللفظ لها، كالقاعدة والأساس. واعتبر هذا بالآية التي بعد هذه الآية، وما فيها من أنواع الأوامر والنواهي، التي لا تحصى. فلما كان هذا القرآن تبيانًا لكل شيء، صار حجة الله على العباد كلهم. فانقطعت به حجة الظالمين، وانتفع به المسلمون، فصار هدى لهم، يهتدون به إلى أمر دينهم ودنياهم، ورحمة ينالون به كل خير في الدنيا والآخرة ... فالعدل الذي أمر الله به، يشمل العدل في حقه، وفي حق عباده. فالعدل في ذلك، أداء الحقوق كاملة موفورة، بأن يؤدي العبد ما أوجب الله عليه من الحقوق المالية والبدنية، والمركبة منهما، في حقه، وحق عباده. ويعامل الخلق بالعدل التام، فيؤدي كل وال ما عليه تحت ولايته، سواء في ذلك ولاية الإمامة الكبرى، وولاية القضاء، ونواب الخليفة، ونواب القاضي، والعدل هو: ما فرضه الله عليهم في كتابه، وعلى لسان رسوله، وأمرهم بسلوكه، ومن العدل في المعاملات، أن تعاملهم في عقود البيع والشراء وسائر المعاوضات، بإيفاء جميع ما عليك، فلا تبخس لهم حقًا، ولا تغشهم، ولا تخدعهم وتظلمهم فالعدل واجب، والإحسان فضيلة مستحبة، وذلك كنفع الناس، بالمال والبدن، والعلم، وغير ذلك من أنواع النفع، حتى يدخل فيه الإحسان إلى الحيوان البهيم المأكول، وغيره. وخص الله إيتاء ذوي القربى ـ وإن كان داخلًا في العموم ـ"

(1) الاعتصام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت