لتأكد حقهم، وتعين صلتهم وبرهم، والحرص على ذلك. ويدخل في ذلك جميع الأقارب: قريبهم، وبعيدهم، لكن كل من كان أقرب، كان أحق بالبر، وقوله: {وَيَنْهَى عَن الفحشاءِ} وهو: كل ذنب عظيم، استفحشته الشرائع والفطر، كالشرك بالله، والقتل بغير حق، والزنا، والسرقة، والعجب، والكبر، واحتقار الخلق، وغير ذلك من الفواحش. ويدخل في المنكر، كل ذنب ومعصية تتعلق بحق الله تعالى. وبالبغي، كل عدوان على الخلق، في الدماء، والأموال، والأعراض، فصارت هذه الآية جامعة لجميع المأمورات والمنهيات، لم يبق شيء، إلا دخل فيها، فهذه قاعدة ترجع إليها سائر الجزئيات. فكل مسألة مشتملة على عدل، أو إحسان، أو إيتاء ذي القربى، فهي مما أمر الله به. وكل مسألة مشتملة على فحشاء أو منكر، أو بغي، فهي مما نهى الله عنه. وبها يعلم حسن ما أمر الله به، وقبح ما نهى عنه. وبها يعتبر ما عند الناس من الأقوال، وترد إليها سائر الأحوال، فتبارك من جعل من كلامه: الهدى، والشفاء، والنور، والفرقان بين جميع الأشياء" (تيسير الكريم الرحمن) ."
وقال تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} ,وقال صلى الله عليه وسلم"الخَيْلُ ثلاثَةٌ: هِي لِرَجُلٍ وِزرٌ، وهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ، وهِي لرجُلٍ أَجْرٌ، فأَمَّا التي هي لهُ وزر فَرَجُلٌ ربطَها رِياءً وفَخْرًا ونِواءً عَلى أَهْلِ الإِسْلامِ، فهي لَهُ وِزرٌ، وأَمَّا التي هِيَ لَهُ سِتْرٌ، فَرَجُل ربَطَهَا في سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ لم ينْسَ حقَّ اللَّهِ في ظُهُورِها، ولا رِقابها، فَهِي لَهُ سِتْرٌ، وأَمَّا التي هِيَ لَهُ أَجْرٌ، فرجُلٌ ربطَهَا في سبِيلِ اللَّهِ لأَهْل الإِسْلامِ في مَرْجٍ، أَو رَوضَةٍ، فَمَا أَكَلَت مِن ذلك المَرْجِ أَو الرَّوضَةِ مِن شَيءٍ إِلاَّ كُتِب لَهُ عدد ما أَكَلَت حسنَاتٌ، وكُتِب لَه عدد أَرْوَاثِهَا وأَبْوَالِهَا حَسنَاتٌ، وَلا تَقْطَعُ طِوَلَهَا فاستَنَّت شَرَفًا أَو شَرفَيْنِ إِلاَّ كَتَب اللَّهُ لَهُ عددَ آثَارِهَا، وأَرْوَاثهَا حَسنَاتٍ، ولا مرَّ بها صاحِبُهَا عَلى نَهْرٍ فَشَرِبَت مِنْهُ، وَلا يُريدُ أَنْ يَسْقِيَهَا إِلاَّ كَتَبَ اللَّه لَهُ عدَدَ ما شَرِبَت حَسنَاتٍ". قِيلَ: يا رسولَ اللَّهِ فالحُمُرُ؟ قال:"ما أُنْزِل علَيَّ في الحُمُرِ شَيءٌ إِلاَّ هذِهِ الآيةُ الْفَاذَّةُ الجَامِعَةُ: {فمن يعْملْ مِثقَال ذرَّةٍ خَيْرًا يرهُ، ومَن يعْملْ مثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًَّا يرهُ} "مُتَّفَقٌ عليهِ وهذا لفظُ مُسْلمٍ, قال الإمام ابن القيم رحمه الله:"فقد بين الله سبحانه على لسان رسوله بكلامه وكلام رسوله جميع ما أمر به، وجميع ما نهى عنه، وجميع ما أحله، وجميع ما حرمه، وجميع ما عفا عنه، وبهذا يكون دينه كاملا، كما قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلاَمَ دِينًا} ولكن قد يقصر فهم أكثر الناس عن فهم ما دلت عليه النصوص وعن وجه الدلالة وموقعها وتفاوت الأمة في مراتب الفهم عن الله ورسوله لا يحصيه إلا الله، ولو كانت الأفهام متساوية لتساوت أقدام العلماء في العلم، ولما خص سبحانه سليمان بفهم الحكومة في الحرث، وقد أثنى عليه وعلى داود بالعلم والحكم، وقد قال عمر لأبي موسى في كتابه إليه: الفهم الفهم فيما أدلي إليك. وقال علي: إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه وقال أبو سعيد: كان أبو بكر أعلمنا برسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس أن يفقهه في الدين ويعلمه التأويل"، وقال:"فإنه صلى الله عليه وسلم يأتي بالكلمة الجامعة، وهي قاعدة عامة وقضية كلية، تجمع أنواعا وأفرادا، وتدل دلالتين دلالة طرد ودلالة عكس. وهذا كما سئل صلى الله عليه وسلم عن أنواع من الأشربة كالبتع والمزر، وكان قد أوتي جوامع الكلم فقال:"كل مسكر حرام"، و"كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد"، و"كل قرض جر نفعا فهو ربا"، و"كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل"، و"كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله