وعرضه"، و"كل أحد أحق بماله من ولده ووالده والناس أجمعين"، و"كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة"، و"كل معروف صدقة"وسمى النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية جامعة فاذة {فمن يعْملْ مِثقَال ذرَّةٍ خَيْرًا يرهُ، ومَن يعْملْ مثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًَّا يرهُ} ومن هذا قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} فدخل في الخمر كل مسكر جامدا كان أو مائعا من العنب أومن غيره، ودخل في الميسر كل أكل مال بالباطل، وكل عمل محرم، يوقع في العداوة والبغضاء، ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ودخل في قوله: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} كل يمين منعقدة، ودخل في قوله: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} كل طيب من المطاعم والمشارب والملابس والفروج، ودخل في قوله: {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} ما لا تحصى أفراده من الجنايات وعقوباتها حتى اللطمة والضربة والكسعة، كما فهم الصحابة ودخل في قوله: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} تحريم كل فاحشة ظاهرة وباطنة، وكل ظلم وعدوان في مال أو نفس أو عرض وكل شرك بالله وإن دق في قول أو عمل أو إرادة ... وكل قول على الله لم يأت به نص عنه ولا عن رسوله في تحريم أو تحليل أو إيجاب أو إسقاط أو خبر عنه باسم أو صفة نفيا أو إثباتا أو خبرا عن فعله، فالقول عليه بلا علم حرام في أفعاله وصفاته ودينه، ودخل في قوله {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} وجوبه في كل جرح يمكن القصاص منه، وليس هذا تخصيصا، بل هو مفهوم من قوله {قِصَاصٌ} وهو المماثلة، ودخل في قوله {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذلِكَ} وجوب نفقة الطفل وكسوته ونفقة مرضعته على كل وارث قريب أو بعيد، ودخل في قوله {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوف} جميع الحقوق التي للمرأة وعليها" [1] .
فقد أوتي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم، واختصر له الكلام اختصارا، فعن أبي موسى رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاذًا إلى اليمن فقال:"ادعوا الناس وبشرا ولا تنفرا ويسرا ولا تعسرا وتطاوعا ولا تختلفا"قال: فقلت: يا رسول الله أفتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمن: البتع، وهو من العسل ينبذ حتى يشتد. والمزر وهو من الذرة والشعير ينبذ حتى يشتد؟ قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطي جوامع الكلم بخواتمه فقال:"أنهى عن كل مسكرٍ، أسكر عن الصلاة"رواه البخاري ومسلم، وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"بعثت بجوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وبينا أنا نائم رأيتني أتيت بمفاتيح خزائن الأرض، فوضعت في يدي"قال أبو هريرة: فقد ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنتم تنتثلونها رواه البخاري ومسلم، وقال الإمام البخاري:"بلغني أن جوامع الكلم أن الله يجمع له الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد أو الاثنين"، وقال ابن رجب رحمه الله:"جوامع الكلم التي خص بها النبي صلى الله عليه وسلم نوعان: أحدهما ما هو في القرآن: كقوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} قال الحسن: لم تترك هذه الآية"
(1) إعلام الموقعين