تَعْمَلُونَ خَبِيرًا واللي: هو تحريف الكلام ومجانبة الحق فيه, والإعراض: هو الامتناع عن القيام بالعدل في الحكم أو الشهادة بكتمها وتركها, قال الإمام ابن كثير رحمه الله:"يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا قوامين بالقسط أي بالعدل، فلا يعدلوا عنه يمينًا ولا شمالًا، ولا تأخذهم في الله لومة لائم ولا يصرفهم عنه صارف، وأن يكونوا متعاونين متساعدين متعاضدين متناصرين فيه، وقوله: {شُهَدَآءًّ لِلَّهِ} كما قال: {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} أي ليكن أداؤها ابتغاء وجه الله، فحينئذ تكون صحيحة عادلة حقًا خالية من التحريف والتبديل والكتمان، ولهذا قال: {وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ} أي اشهد الحق ولو عاد ضررها عليك، وإذا سئلت عن الأمر فقل الحق فيه ولو عادت مضرته عليك، فإن الله سيجعل لمن أطاعه فرجًا ومخرجًا من كل أمر يضيق عليه. وقوله: {أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأٌّقْرَبِينَ} أي وإن كانت الشهادة على والديك وقرابتك فلا تراعهم فيها، بل اشهد بالحق وإن عاد ضررها عليهم، فإن الحق حاكم على كل أحد، وقوله: {إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا} أي لا ترعاه لغناه ولا تشفق عليه لفقره، الله يتولاهما، بل هو أولى بهما منك، وأعلم بما فيه صلاحهما. وقوله: {فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا} أي فلا يحملنكم الهوى والعصبية وبغض الناس إليكم على ترك العدل في أموركم وشؤونكم، بل الزموا العدل على أي حال كان ... وقوله: {وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا} قال مجاهد وغير واحد من السلف: تلووا، أي تحرفوا الشهادة وتغيروها، واللي: هو التحريف وتعمد الكذب، قال تعالى: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ} الآية، والإعراض هو كتمان الشهادة وتركها، قال تعالى: {وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} وقال النبي صلى الله عليه وسلم"خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها"ولهذا توعدهم الله بقوله: {فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} أي وسيجازيكم بذلك [1] ."
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَآ الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} , ففي هذه الآية يأمر الله تعالى عباده بأن يقوموا بالحق قياما لله وحده شاهدين بالقسط, وقاصدين للعدل مع الصديق والعدو, ولا يحملنهم بغض قوم وعداوتهم ولو كانوا كفارا على ترك العدل, بل عليهم أن يلزموا العدل ويتمسكوا به ولو مع الأعداء، فإن العدل أقرب إلى تقوى الله تعالى, وقد قال تعالى في العدل مع الكفار من أهل الكتاب: {وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} , وعن جابر بن عبد الله أنه قال"أفاء الله عز وجل خيبر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كانوا، وجعلها بينه وبينهم، فبعث عبد الله بن رواحة فخرصها عليهم، ثم قال لهم: يا معشر اليهود أنتم أبغض الخلق إلي، قتلتم أنبياء الله عز وجل، وكذبتم على الله، وليس يحملني بغضي إياكم على أن أحيف عليكم، قد خرصت عشرين ألف وسق من تمر، فإن شئتم فلكم، وإن أبيتم فلي. فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض", رواه أحمد. وعن سعيد بن المسيب"أن مسلما ويهوديا اختصما إلى عمر رضي الله عنه فرأى الحق لليهودي فقضى له عمر به"رواه مالك, وعن أنس"أن رجلا من أهل مصر أتى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين عائذ بك من الظلم. قال: عذت معاذا. قال: سابقت ابن عمرو بن العاص فسبقته، فجعل يضربني بالسوط، ويقول: أنا ابن الأكرمين. فكتب عمر إلى عمرو يأمره"
(1) تفسير القرآن العظيم