فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 309

اجتمع عندهم من العلم والقدرة والسلطان, قال تعالى: {وَتَرَى كَثِيرًا منْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} , والربانيون: هم العلماء أصحاب الولايات, والأحبار: هم العلماء فقط, قال الإمام ابن كثير رحمه الله:"أي يبادرون إلى ذلك من تعاطي المآثم والمحارم، والاعتداء على الناس، وأكلهم أموالهم بالباطل، {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي لبئس العمل كان عملهم، وبئس الاعتداء اعتداؤهم, وقوله تعالى: {لَوْ لا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالاحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} يعني هلا كان ينهاهم الربانيون والأحبار عن تعاطي ذلك، والربانيون وهم العلماء العمال أرباب الولايات عليهم، والأحبار هم العلماء فقط {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} يعني من تركهم ذلك" [1] , وقال الإمام ابن جرير رحمه الله"ربانيوهم، وهم أئمتهم المؤمنون، وساستهم العلماء بسياستهم، وأحبارهم، وهم علماؤهم وقوّادهم" [2] . فالناس يطيعون ولاة الأمر, ويستجيبون لدعوتهم أكثر من غيرهم ممن لم يكن في مكانتهم وقدرهم, وقد قال عمر رضي الله عنه:"فساد الدين إذا جاء العلم من قبل الصغير استعصى عليه الكبير, وصلاح الناس إذا جاء العلم من قبل الكبير تابعه عليه الصغير"وهذا أثر عظيم عزاه الحافظ ابن حجر إلى مصنف قاسم بن أصبغ وصحح إسناده, والمراد بالصغر في هذا الأثر صغر القدر, وليس صغر السن, فإن من كان صغير القدر لا يستجيب له إلا القليل من الناس, ويستعصي عليه كبارهم, وأما إذا كانت الدعوة والإرشاد والتعليم من كبار القدر والمكانة بين الناس من ولاة الأمر من الأمراء والعلماء والوزراء، فإن الكثير من الرعية سوف يتبعونهم ويستجيبون لنصحهم, وهذا هو المشاهد في الواقع، فليس دعوة من بيده السلطة والقدرة في البلاد, كمن لا سلطة له ولا قدرة.

وفي صحيح البخاري"عن قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب فرآها لا تكلم، فقال: ما لها لا تكلم؟ قالوا حجت مصمتة قال لها: تكلمي، فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية. فتكلمت، فقالت: من أنت؟ قال: امرؤ من المهاجرين. قالت أي المهاجرين؟ قال: من قريش. قالت: من أي قريش أنت؟ قال: إنك لسؤول أنا أبو بكر. قالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية؟ قال: بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم. قالت: وما الأئمة؟ قال: أما كان لقومك رؤوس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟ قالت: بلى. قال: فهم أولئك على الناس", فقولها:"هذا الأمر الصالح"تعني الإسلام, وما تضمنه من التوحيد والعدل والصلاح, وقوله رضي الله عنه:"ما استقامت بكم أئمتكم"يدل على أن الناس يتبعون أئمتهم, فمن ضل منهم أضل غيره, ومن استقام سعى واجتهد في إصلاح الناس, ولهذا اشترطت التقوى والعدالة في الإمام والأمراء, لما يترتب على صلاحهم من إقامة شرع الله في البلاد وإصلاح الناس, وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"و {وَأُوْلِي الأَمْرِ} أصحاب الأمر وذووه، وهم الذين يأمرون الناس، وذلك يشترك فيه أهل اليد والقدرة"

(1) تفسير القرآن العظيم.

(2) جامع البيان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت