صلَّى الله وسلَّم عليه وعلى آله وأصحابه الذين سلُّوا على المشركين واليهود والنصارى سيوفَ الجهاد، حتى طهَّرَ الله بهم جزيرةَ العَرَب من أرْجاس الوثنيَّة وبغْي اليهوديَّة وضلالة النصرانيَّة وكل مُنكَر وفساد، فرضِي الله عنهم وأرْضاهم وسلَك بهم سبيلَ الرشاد.
أما بعد: فيا أيُّها الناس:
اتَّقوا الله تَعالى وأطيعوه، وامْتثلوا أمرَه ولا تعْصوه، فإنْ أطعتموه لم يصلْ إليكم شيءٌ تكرهونه، وإن عصيتموه عاقبَكم بما لا تُطيقونه؛ فاعتمِدوا على ربِّكم في جميعِ الأمور، فإنَّه يدْفَع عنكم جميعَ الشرور: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} [الحج: 38] .
فمَن أطاع ربَّه زال كرْبُه، ومَن توكَّل عليه فهو حسْبُه، فلو توكلتُم على الله حقَّ التوكُّل لرزَقكم كما يرزُق الطير، ولو صدقتُم في عبادته لأغْناكم عن الغَيْر، ولكنَّكم اشتغلتُم بالمخلوق عن الخالِق، والمرزوق عن الرازق، فأصبحتُم وقلوبُ الكثيرين بغيْر الله مُتعلِّقة، والمعاصي بينهم والمنكرات محبوبةٌ نافِقه، فأين ترجون الفرَج والعافية، وقد عصيتُم عمدًا مَن لا تخفَى عليه خافية؟!
ولذلك أخذَكم الهمُّ خوفَ الغلاء، وضِيق المعايش، ونقْص الأرزاق، ورأيتُم أنموذجًا مِن عقوبات الله العامَّة التي يُريها الناسَ في الأنفُس والآفاق: قَحْط مِن السماء، وجَدْب من الأرض، وشدَّة في البَرد، وأسراب مِن الجراد، ونقْص في الموارد.
وايمُ الله ما كان قومٌ في رغَدٍ مِن العيش فأحسُّوا بتغيُّره ونقْصه إلا بخطيئة اجترَحوها، وجريمة ارتكبوها: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 53] .