فهرس الكتاب
اتَّقوا الله وخذوا من تعاقُب الليالي والأيام، وتصرُّم الشهور والأعوام، أعظمَ العبر وأبلغ العظات؛ لتنتَفِعوا من ذلك ما دمتُم على قيد الحياة، بالتوبة إلى الله من الزلاَّت، والاجتِهاد في أنواع الطاعات، والمنافَسة في جليل القربات، وما يوصل إلى رفيع الدرجات، قبل الفَوات وحصول الحسرات على عظيم الهفوات.
أيُّها الناس:
ألاَ ترَوْن أنَّ الليل والنهار يَتراكَضان تراكُضَ البريد، فيقربان كلَّ بعيد، ويخلقان كلَّ جديد، ويأتيان بكلِّ موعود، وأنَّكم بمرورهما في آجالٍ منقوصة، وأعمالٍ محفوظة؟ فالأعمار تَفنَى، والآجال تُدنَى، وصحائف الأعمال تُطوَى، والأبدان في الثَّرى تَبلَى، أليس في ذلك للعاقل أعظم العبر وأبلغ العظات؟
أيها المسلمون:
ألاَ ترَوْن أنَّكم في هذه الحياة تتقلَّبون في أسْلاب الهالكين، وستَذهَبون رغمًا عنكم وتُورِثونها لخلفكم اللاحِقين؟ وها أنتم في كلِّ يومٍ تُشيِّعون منكم غاديًا ورائحًا إلى الله - عزَّ وجلَّ - قد قضَى نحبَه ومضى حقًّا إلى ربِّه، فتُودِعونه وتدَعُونه في صدع من الأرض غير مُوسَّد ولا مُمهَّد، قد خلَع الأسباب، وفارَق الأحباب، وسكَن التراب، وواجَه الحساب، غنيًّا عمَّا خلَّف، فقيرًا إلى ما أسلَف، أليس في ذلكم مُعتَبر، وعن الغيِّ مُزدَجر؟ فاتَّقوا الله يا أولي الألباب؛ {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281] .
أيها المسلمون: