فهرس الكتاب

الصفحة 1387 من 1601

عباد الله، إنَّ آخِر شهرِكم أفضَلُ من أوَّله، وإنما يستحقُّ الأجير أجرَه عند خِتام عمله، فاستدرِكوا ما قد فاتَكم من أوَّله قبل نهايته، وأحسِنُوا الختامَ فما أجمل عاقبته، فالمُحسِن ينتَظِر الإحسان، والمُسِيء متعرِّض للخَيْبَة والخُسران، فأحسِنُوا في هذا العشر الأخير، واغتَنِموا ما فيه من الخير الوفير، فإنَّ الثلث الباقي من شهركم خيرٌ من سابق ثلثَيْه، فأروا الله من أنفسكم الجدَّ في تَحَرِّي الخير فيه، فإنَّكم في ليالي تُرجَى فيها ليلة القدر، فإنها إحدى ليالي هذا العشر، فالتَمِسوها في الشَّفع والوتر حتى آخِر الشهر، فإنَّ الصحيح أنها تتنقَّل بين ليالي الشهر على اختِلاف السنين، فقد تكون في سنةٍ ليلة إحدى وعشرين، وتكون في أُخرَى ليلة أربع وعشرين، وفي ثالثة ليلة سبعٍ وعشرين وقد تكون الخامسة من ليالي العشر، وقد تكون آخِر ليلة من الشَّهر، وهذا هو الجمع بين ما ورَد من النصوص في تعيينها في ليلةٍ بعينها؛ فإنَّ المراد أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أمَر بتحرِّيها في تلك الليلة من هذا العام، لا أنها هي هي على الدوام، وبذلك يتَجلَّى الأمرُ، وهذا هو ما عليه المحقِّقون من أهل الذِّكر.

وعلى أيِّ حال، فإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يجتَهِد في جميع ليالي العشر؛ تحرِّيًا لليلة القدر، وهذا منه صلى الله عليه وسلم تشريعٌ للأمَّة، وأخذٌ بأسباب الرحمة؛ لما علمه الله تعالى وأظهر له من شرفها وبركتها، وعظم موقع العمل عند الله تعالى فيها؛ ولذا كان صلى الله عليه وسلم يخصُّها بمزيدٍ من الاجتهاد، ويُولِيها ما تستحقُّ من العِناية؛ لما فيها من الخيرات الكثيرة، والأجور الوفيرة، والفضائل المشهورة، فقد ثبَت في صحيح مسلم عن عائشة رضِي الله عنها أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يجتَهِد في العشر ما لا يجتَهِد في غيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت