كان نبيُّكم - صلَّى الله عليه وسلَّم - إذا خطب احمَرَّت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه مُنْذِر جيش يقول صبَّحَكم ومسَّاكم، ويقول: (( بُعِثتُ أنا والساعة كهاتين ) )، ويَقْرِن بين إصْبَعيه السَّبابة والوسطى، ويقول: (( أمَّا بعد: فإنَّ خير الحديث كتاب الله، وخير الهَدْي هدي محمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم - وشر الأمور محدثاتها، وكلَّ بدعة ضلالة ) )، وفي روايةٍ للنَّسائي - رحمه الله - زيادة: (( وكلُّ ضلالة في النار ) ).
ولقد حدَّث الصحابي الجليل العِرْباض بن سارِيَة - رضي الله عنه - فقال: وعَظَنا رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - موعظة بليغة، وَجِلَت منها القلوب، وذَرِفَت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودِّع فأوصِنا، قال: (( أوصيكم بتقوى الله، والسَّمع والطاعة، وإنْ تأمَّر عليكم عبدٌ، وإنه مَن يَعِشْ منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديِّين؛ عَضُّوا عليها بالنَّواجذ، وإيَّاكم ومحدثاتِ الأمور؛ فإنَّ كل بدعة ضلالة ) ).
أيها المسلمون:
هذا بيان نبيِّكم محمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم - ووصيَّته إيَّاكم، وتبليغه لكم؛ فهل بعد هذا البيان بيان؟ وهل وراء هذه الوصية وصية؟ وهل فوق هذا التبليغ تبليغ؟ لقد تضمَّن هذان الحديثان الجليلان فيما تضمَّناه من الوصايا والنصائح المُهمَّة التأكيدَ على أصول اعتقادية عظيمة، وقواعد منهجية راسخة، وموازينَ سُلوكية مستقيمة، يقوم عليها الإِيمان، ويَحفظ بها للعقيدة الأساسَ والبنيان، وتُوزَن بها المقاصد والأعمال والأقوال، وتُعرف بها أحوال الرِّجال، وتُعرَض عليها الحوادث المستجَدَّة، ويُقوَّم بموجبها سلوكُ الفرد والأُمَّة، ويَضْمن المستمْسِك بها ممَّن خَلَف السير في كلِّ الأمور على هَدْي خير السَّلَف.
أيها المسلمون: