إذا كانت الحال ما وصَفتُ، والنِّعَم ما إلى جُلِّها أشَرتُ، فما بال أقوامٍ إذا سنَحَتْ لهم الفُرَص، وتهيَّأت لهم النقلة فرُّوا من بِلاد النِّعَم إلى مَواطِن النِّقَم بأنفُسهم ومَحارِمهم وأموالهم، وربما أرسَلُوا سُفَهاءهم وغير ذوي الرشد منهم! يَخرُجون من بلاد التوحيد التي يَعلُو فيها الأذان، وتُقام فيها الجمعة والجماعة، ويُؤمَر فيها بالمعروف ويُنهَى فيها عن المنكر، وتُقام فيها الحدود والتعزيزات، ويُدعَى فيها إلى الخير من حيث الجملة، ولم يَظهَر فيها - بحمد الله - الزنا، ولم تُعلَن فيها الخمور، فيخرجون من هذه البلاد الآمِنة المطمئنَّة إلى بلادٍ يُحكَم فيها بالطاغوت، ويُعلَن فيها الزنا، وتُشرَب فيها الخمور، ويَخفَى فيها الأذان، ويُشاد فيها بالإلحاد، ويُنصَر الكفر، ويُهضَم الحق؛ بلاد تَمُوجُ بالفَساد وشر العباد من شتَّى مِلَل الكفْر، وأصناف أنواع الظُّلم، وأبشَع صُوَر الفجور والإجرام؛ حتى يعزَّ فيها أنْ يسمع الرجل مَن يَقول: ربِّي الله، ومَن يُضلِل الله فما له من هاد، ومَن يهدِ الله فما له من مُضِلٍّ، إنَّ الله عزيز ذو انتقام.
أيها المسلمون:
إنَّ هذا الصِّنف من الناس قد خاطَر بعقيدته، واستَهان بحرماته، وفرَّط بدنياه وآخِرته، وحقيقة أمرِه أنَّه ما نقَم إلاَّ أنْ أغناه الله من فضله: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] ، {وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [التوبة: 74] .