اتَّقوا الله ربَّكم؛ فإنَّه عفو غفور جواد شكور، وهو وحده مُصرِّف الشهور، ومُقدِّر المقدور، يُولِج الليل في النهار، ويُولِج النهار في الليل، وهو عليمٌ بذات الصدور، وقد جعَل لكلِّ شيء أسبابًا، ولكلِّ أجل كتابًا، ولكلِّ عمل حسابًا، وما ربُّك بغافلٍ عمَّا تعملون، وجعل الدنيا سوقًا يغدو إليها الناس ويَرُوحون منها، فبائعٌ نفسه فمعتقها أو موبقها، وإنما يَظهَر الفرقان ويتجلَّى الربح من الخسران؛ {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التغابن: 9 - 10] .
أيها المسلمون:
تذكَّروا أنَّ الأيَّام أجزاءٌ من العمر، ومراحل في الطريق إلى المستقر، تفنونها يومًا بعد آخَر، ومرحلة تِلْوَ الأخرى، ومضيُّها في الحقيقة استنفاذٌ للأعمار، واستكمالٌ للآثار، وقربٌ من الآجال، وغَلْقٌ لخزائن الأعمال، إلى حين الوقوف بين يدي الكبير المتعال: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 30] .
فاتَّقوا الله عبادَ الله في سائر أيَّامكم، وراقِبوه في جميع لحظاتكم، وتقرَّبوا إليه بصالح أعمالكم، والتوبة إليه من مَعاصِيكم وسيِّئاتكم.
الخطبة الثانية
أيها المسلمون: